قراءة رواية شوق الدرويش اون لاين
ما هي رواية شوق الدرويش؟
- شوق الدرويش هي الرواية الثانية للفنان الروائي السوداني حمور زيادة.
- لقد نشرت الرواية لأول مرة في عام 2014 من قبل دار العين للنشر في القاهرة.
- حصلت على " جائزة نجيب محفوظ للآداب "في عام 2014 ، ودخلت في القائمة" القصيرة "النهائية للجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2015 ، والمعروفة باسم"جائزة بوكر العربية".
ملخص افتتاحي لرواية شوق الدرويش :
في هذه الرواية ، يعرض الروائي "حمور زيادة" جانبا من الصراع الاجتماعي بين الثقافة المسيحية والثقافة الإسلامية الصوفية في السودان ، في ظل انهيار نموذج الدولة الدينية. تقدم الرواية تأملات قوية في الحب والدين والخيانة والصراع السياسي ، في عصر حساس من التاريخ السوداني المعاصر. الشخصية الرئيسية في الرواية هي" بخيت ماندل " ، وهو سجين أطلق سراحه ، وهو مصمم على الانتقام من كل من تسبب في سجنه بعد حياة من عذاب العبودية والأسر والسجن والاستغلال البدني. يتزامن إطلاق سراح "بخيت" مع الحقيقة التاريخية الرئيسية المتمثلة في دخول القوات المصرية المدعومة من الإنجليزية في نهاية القرن التاسع عشر إلى السودان ، وهزيمة الدولة المهدية وهروب المهدي ورفاقه.
نبذة عن الكاتب :
- اسمه حمور زيادة وقد ولد في الخرطوم ، أم درمان ، السودان ، ونشأ هناك.
- عمل في المجتمع المدني لفترة ثم تحول إلى العمل العام والكتابة الصحفية.
- كتب لصحيفة الإندبندنت والجريدة الرسمية وأجراس الحرية وفي اليوم التالي.
- تولى مسؤولية الملف الثقافي في صحيفة الأخبار السودانية.
أعماله :
- سيرة أمدرمانية ، مجموعة من القصص القصيرة - 2008 عن دار الأحمدي
- كتاب الخرطوم
- رواية الغطس
- 4. الكونغ-رواية عام 2010 عن بيت ميريت - الإصدار الثاني - 2015 عن دار العين
جوائز حمور زيادة :
- جائزة نجيب محفوظ 2014-الجامعة الأمريكية بالقاهرة. عن روايته"شوق الدراويش".
- القائمة المختصرة للجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر) 2015-الإمارات العربية المتحدة. عن روايته"شوق الدراويش".
- جائزة لجنة التحكيم التقديرية من معهد العالم العربي بباريس ، عن رواية الغرق.
نص الرواية :
هنا نعرض رواية شوق الدرويش كاملة وقسمناها إلى ستة أجزاء لنترركم هنا مع القراءة اونلاين :
الملخص الأول من رواية شوق الدرويش :
النار والدخان في كل مكان.
النار والدخان في قلبه.
سقطت مدينة مهدي الله.
بقعة الإيمان دكتها قنابل الكفار
إنها الساعة.
ما ينتظره من سنوات سبع.
يخرج الآن أيها الجلادون أنا أت.
ما أن تم فلل قيد المكية عن ساقيه حتى قفز بخيت منديل
واقفا.
السجناء الباقون من حوله يهنئون بعضهم بعضاً.
أحدهم يضرب على كتفه ويصرخ أخيراً.. الحرية يا بخيت"
أتتهم الحرية على بوارج الغزاة وخيولهم في سبتمبر 1898 مع دخول الجيش المصري للبلاد انكسرت دولة مهدي الله.
لم يشعر أنه حر بينه وبين حريته دماه بينه وبين حريته ثار.
دفع نفسه وسط الزحام خارجاً من السجن. يشعر بالضعف.
ما أكل منذ ثمانية أيام. وما شرب منذ ثلاثة. لكنه لا يقدر أن يبقى هنا لحظة أخرى.
من يومين سقطت المدينة بلغهم في سجنهم، إن خليفة مهدي الله وقادته فروا دخل المصريون أم درمان.
وجاء إلى السجن جماعة من النصارى والمصريين، أطلقوا سراح بعض من يعرفون من أكابر الناس، وتركوهم.
يومان بلا حارس، دون أن يسأل عنهم أحد بدا كما لو أن الذين في الخارج نسوهم تماماً.
يسمعون دوي قنابل متفرقة. هم في قيودهم على الأرض حيث تركهم الحراس قبل الهرب. بعضهم في الغرف الضيقة. وبعضهم في فناء السجن تحت الشمس بخيت داخل إحدى الغرف. كانوا حوالى سبعين شخصاً في غرفة لا تسع خمسة.
الهواء ثقيل كثيف. يتنفسون ما يخرج من صدور بعضهم. بعض يبكي فرحاً بعض يبكي خوفاً من الموت هنا في النسيان إذ فر حرسهم، وتجاهلهم القادمون لكن بخيت كان يعرف أنه لن يموت الآن. تحمل السجن سبع سنوات في انتظار هذه اللحظة. لن يموت قبل أن يسوق أمامه خصومه قرباناً سيقدم على حواء وهم بين يديه.
خرج إلى الشارع متعثراً.النار والدخان في كل مكان المدينة مستباحة العساكر السودانية تنهب البيوت.
يسمع صراخ النسوة وبعض الشاويشية يمشي منادياً أن وقت استباحة المدينة قد انتهى.
تسلل بعناء وسط العنف والجنون يطلب بيت مريسيلة استوقفه أكثر من عسكري فتشوه عدة مرات. اعتدى عليه بعض عساكر لينهبوه، ثم أدركوا أنه أفقر من كلب أجرب.ضربوه وتركوه يذهب. يمشي في شوارع مدينة لا يعرفها يسأل المارة. أم درمان تغيرت جداً. كان رأها قبل أسبوعين حين آخر خروج له للخدمة اليوم كأنما مرت أعوام بين تلك اللحظة و وهذا المشهد الجنوني الذي يتعثر في جوفه الجثث في الشوارع. منتفخة يحيط بها الذباب الأسود. رائحتها عفنة تدوّخ المدينة الذاهلة البيوت محطمة الأبواب. الطرقات قذرة مليئة بالحفر. رائحة البارود في كل مكان.
وقبة المهدي مهشمة كأنما انكسر كبرياؤها.
يتسول عابراً يعرف البيت الذي يقصد. يتلقى نظرات دهشة
وتوصيفاً أبتر.
مر جوار بيت الأمانة سار محاذياً السوق، عبر تحت المشنقة الخالية، ثم اتجه غرباً يمشي طفلاً جاوز الحبو لتوه. رجلاه تستشعران قيود المكيّة. يترنح ، لكن بجوفه جلد يقيمه. لو ركن لضعفه لمات قبل سنوات. لكن مدين الهوى لا يموت.
يتبع وصف المارة وإرشادهم.
إذ وقف بباب مريسيلة لم يكن واثقاً أنه سيجدها. لكنه كان موقناً إن ظل سقفها هو آمن ما يأوي إليه الآن. دفع جسده داخلاً. وعيناه تختلجان لمح أجساداً مكومة ما ميزها. يسقط رأى مريسيلة تهرع نحوه انكفأ على الأرض يلهث. يسيل سمع اسمه. وهو عرقه ودمه، ويقطر عزماً.
احتضنت مريسيلة رأسه وصرخت ظنته جاء ليموت على بابها. لكنه رفع عينيه إليها. قال موجوعاً:
إنها ساعة الثأر يا مريسيلة. الموت لمن قتلوها. الموت يا مريسيلة. أنا الموت.
مريسيلة وجهها. ناحت وهي تضرب براحتيها صدره کام غضبي.يلعن دين بنت النصارى !! يلعن دين بنت النصارى!! واحزني عليك يا بخیت. "إن دخلت دينك وتركت دين المهدية يرضيك هذا ؟ "تضحك . " أنت هازل !!"
"كنت أريد أن أرى ضحكتك. سأبدل ديني لأجل رضاك في
غضبة قادمة"مريسيلة ما أحبتها قط تتخيلها شراً كاملاً. شيطاناً أبيض اللون تلبسه ساعة مغرب.
جرته بمعونة نسوة أخريات إلى عريش من القش. أرقدته على الأرض وفحصت ساقيه قيود المكيّة نخرتهما حتى بان العظم. لحمه متعفن يسيل صديداً. جسده يلتهب بالحمى.
كان ميتا لولا العهد.
المكيّة بحلقتيها الحديديتين موسومة في لحمه. كان يخرج للخدمة التي يكلف بها في شوارع أم درمان والقيود في قدميه. كلما مشى خطوة غاصت المكية في لحمه مشى بخيت شهوراً، وغاصت فيه القيود سنيناً.
على مدى أيام صبت مريسيلة السمن في جروحه عرته كل صباح ومسحت جسده .بالزيت سقته مزيجاً معالجاً من السمن والثوم والعسل والبلح.
ما كان ينن. ولا هرب من أوجاعه بالغيبوبة. ما كان داخله من حماه من كل وجع آخر.
يستلقي على ظهره يرمق سقف القش الذي يأوى تحته جسده عار تحت أنظار النسوة اللاني خبأتهن مريسيلة عندها. يسمع تهامسهن وضحكات تنفلت فجأة. يلمع جسمه كزيتونة حين تغسله مريسيلة بالزيت. تقلبه فيتقلب. ظهراً لبطن تمشي يدها بالزيت على جسده العاري تلف جروح ساقيه بالقماش بعد أن تزيل صديدها وتحشوها سمناً وملحاً.
بيت مريسيلة كان مجرد سور من الطين لا يضم إلا غرفة
واحدة وعريشين.
حين علم النساء أن رجالهن الذين خرجوا حاملين رماحهم لملاقاة العدو لن يعودوا فزعوا إلى مريسيلة يختبئن عندها. هن يعلمن ما يفعل العسكر إن غلبوا . أم درمان رأت كثيرات من نسوة مدائن مهزومة تسولن في الطرقات أو دفعن إلى بيت المال. وكلهن عبرالمنتصرون على أجسادهن.
حتى من كرهن مريسيلة عرفن أن النجاة .عندها.
إن كان مَن ينشغل عن نجاته بنجدة غيره الأن فهي تلك الأمة السوداء ذات العشرين عاماً. بائعة خمر المريسة السرية، قارئة الودع، مدبرة صفقات الهوى خاطبة الحلال والحرام معينة الهاربين، تاجرة العقود والسلاسل والوصفات السحرية للحب والوصل والفراق وانتصاب الذكر وضيق الأعضاء الأنثوية. المرأة التي تعلم المدينة أنها أنقذت سبعة نساء من مشنقة السوق، وأذلت حامل راية أحد الأمراء أمام المسجد على مرأى من خليفة المهدي. الحب صناعتها، بالسحر لها نسب ولها مروءة فارس قبيلة.
مريسيلة أوت طالبات النجاة هربت من أرادت الهرب. عالجت من هاج بها الحزن ووفرت بشكل غامض الطعام لعشرات النساء اللائي تعرف بعضهن وترى بعضهن للمرة الأولى.
وحين أتاها بخيت منديل أخلت له فوراً عريشاً وضعته فيه وحده وعكفت على علاجه بتصميم منازعة الموت فيه والضعف.
يسمعها النسوة تسحن الثوم للمزيج العلاجي وهي تتمتم وجلة لن تموت مني أيها العبد النجس ابن كلب لا عقل لك. لن أسمح لك بالموت.
تنشق بقوة، فيتساءل النسوة هل أوشكت أن تبكي حقاً؟
ضعیف متماوت على الأرض. لا تقدر أن تقف. جراحك ينهشها الدود من أجل ماذا؟ يالك من عبد حقير ساعالجك
لأقتلك بعدها. أنت بغل تهرع بالمزيج إلى بخيت منديل ترفع رأسه لتسقيه وهي تسبه اشرب أيها الغبي اشرب مريسيلة لن تتركك تموت.
تلمع عينا بخيت لكن فمه ملئ بالسائل اللزج فلا يقدر أن يرد. ليس غاضباً ولا خائفاً هو في المكان الصحيح عليه أن يترك نفسه المريسيلة وهي ستعتني به. بعدها يبدأ السعي إلى الهدف الذي عاش له طوال سنوات مرت.
حين يحس دموع مريسيلة تسيل بعيداً عن مراقبة النسوة لتصب على وجهه، تجري على خده الأمرد لتدخل فمه مخالطة المزيج الذي يشرب يحس أنه نجا من كل الصعاب القديمة.
لما تذوق دموعها المرة كمطر الصحراء مسته السكينة. اترك نفسك مريسيلة. أنت الآن آمن.لا يعرف كم مر من الأيام ولا يهمه.ماذا يعني حساب الزمن وقد أعلن لنفسه نهاية الأزمان وانقضاء الوقت حين ذهب ويبقي بين يدي مريسيلة حتى أحس جسده مرة أخرى. معافي كأنما خُلِقَ من بدء. علامات المكية لم تزل عن ساقيه لكن الجروح برأت بسحر الزنجية.
تحمل راضياً شتائمها وسبابها. لم يخجل من نظرات النساء لعريه. لم تثر فضوله صرخات المدينة وأصوات الرصاص البعيدة والقريبة.
كان يحلم حلمه ممتد لا ينقضي يكرر نفسه بإلحاح صحواً ومناماً. ستة يعرفهم بالإسم. بينه وبينهم قصاص. وفي يومه الذي تعافى فيه ونهض بعريه قائماً تحت العريش اقتحم العساكر السودانية البيت وارتدى جلباباً جلبته له مريسيلة. جلس على الفراش لأول مرة وتناول طعامه همس المريسيلة بما يريده منها. هي وحدها من يقدر على انجاز ما يريد في مدينة مرتعشة ككف عجوز. كلفها بمهمتين كل واحدة أقسى من الثانية لكن مريسيلة لم تشك عبء المهام. شكت جنونه وتعلقه بالوهم من يوم عرف مريسيلة وعرفت حكايته لم يهتم برأيها. لكنه قدر كفاءتها.
كان يأكل العصيدة، التي صنعتها له خصيصاً وزجرت النسوة عن النظر إليها، حين دخل العساكر البيت سود مثله يرتدون الملابس العسكرية والطرابيش، تتحزم صدورهم بالبنادق وأحزمة البارود. صرخت النسوة وعمّت الرجة البيت، لكن قائد العساكر بادر بإعلان مقصدهم.
نبحث عن الرجال الحكومة فرضت السخرة على كل رجل
قادر. مريسيلة لم تقتنع بما قال فتصدت له وقفت أمامه، رأسها لا يبلغ صدره، لكنه بدا ضئيلاً أمامها.
:صرخت لو كنت أنت رجلاً فتجاوزني لتفتش البيت. ارتبك الشاويش. نظر إلى عساكره في توتر ثم أعاد النظر إلى
مريسيلة الثائرة كجمرة عاجلته قبل أن يتكلم أنا أعرفك. أنت فرج الله عبد شيخ الجزارين الهارب. أنت هو يا منحوس جنت اليوم مزهوا بشرائط النصارى الحمراء
تقتحم البيوت؟
الشاويش كان في أسوأ حال وهو يرد عليها:
نحن لا نريد سوى إخراج الرجال. لو قلت أنه لا يوجد سوى هذا الرجل أشار إلى بخيت منديل) فلن نحتاج لتفتيش البيت. سنأخذه للعمل. نحن نأخذ الجميع.
تقدم بخيت نحوه وقد أزعجه أن تحميه مريسيلة كدجاجة
تحضن فرخها.
ليس في البيت رجل غيري. سآتي معك.بصقت مريسيلة على الأرض فاخطات حذاء الشاويش بقليل. هرولت داخل حجرتها اليتيمة ثم عادت بتسع تمائم أحاطت بها بخيت تسع تمائم ضخمة تقيه غوائل الجان والعين والسحر والحسد وعيون الرصد همست له بصوت حرصت أن يسمعه ساعد الشاويش لا يرهبنك بهرج ما يرتدي انه فقط فرج الله عبد شيخ الجزارين في السوق. كان عبد سوء ما عاش هنا. ثم هرب قبل عام ظنوه غرق في النيل. ليته كان. إن دعته نفسه لإظهار سيادة عليك فذكره من هو . إن ظهره ملئ بآثار سياط أسياده.
لما خرج مع العساكر إلى الطريق وجدهم يسوقون عشرات غيره. عرب، زنج، مواليد عبيد، وأحرار دفعه فرج الله الشاويش برفق إلى الصف. قبل أن يبتعد عنه قال له محاولاً استعادة مهابتهةيالها من امرأة لولا الأوامر لعرفت كيف أربيها.
ابتسم بخيت ابتسامة شفافة.
لولا الأوامر لأكلتك في مكانك يا فرج الله
سنوات الكفارة ما كان أشدهن عليه المناحيس الذين قادتهم أقدار السوء ليضمهم سجن الساير في أم درمان كان عليهم أن يشتروا طعامهم وشرابهم.
السجن ما كان يوفر المحابيسه طعاماً، ما كان السجن يوفر لهم سوى العذاب. ينتقي الحراس، لأسباب لا يعرفها غيرهم، بضعة مساجين ليجلدوهم، يكلفونهم أعمالاً عبثية، يضعونهم في جوالات مع العقارب ويجرون المراهنات عمن يموت ومن ينجو . حين يدخل الحراس يفتشون بين المساجين يشعر كل واحد منهم أن القدر يمشي بينهم يبحث عن فريسة بعض لم يكن يتحمل العذاب فيقضي بين أيدي الحراس. ربما دفعوا جثته إلى أهله أو القوها وراء السجن لتنتفخ وتتعفن هناك. لا شيء مؤكد الحقيقة الوحيدة أن العذاب واقع في أي لحظة.
كان بالسجن أوروبيون مصريون قادة وأمراء تغير عليهم
قلب خليفة المهدي مجرمون خصوم سياسيون، وتعساء لا يكفون عن البكاء لا يعرف أحد لماذا أتوا.
السجن حوش كبير قريب من النهر سور من اللبن الأخضر. داخله حجرات صغيرة أغلبها بلا نوافذ يُسمح للسجناء بالجلوس نهاراً في الفناء. لكن ليلهم يقضوه متكنسين داخل الحجرات الضيقة،بعضهم فوق بعض.
مثل السجناء ميسورو الحال، وهم كثر، كان لهم من يوفر الطعام والشراب عبر سلسلة طويلة من الرشاوي. أما دواب الأرض بخيت منديل فكان عليهم أن يعولوا أنفسهم داخل السجن. يُخرجون إلى المدينة بحثاً عن عمل يدر عليهم دخلاً. يخرجون مقيدون في حراسة بعض حراس يقاسمونهم ما يتقاضونه مقابل خدماتهم. يحرص الحراس على حضور اتفاق العمل ليعرفوا المبلغ الذي سيدفع للسجين. يحسبون حصتهم.
في هذه الشوارع خدم بخيت منديل كثيراً في السنوات السبعة الماضية.
كان يخرج في صف المساجين يمشي متمهلاً بمقدار ما يسمح قيد المكية في ساقيه. يحاذر أن ينكفئ. يمر بهم حراسهم على شوارع المدينة. يقبع السجن ومعه عدد من مباني ادارة الدولة المهمة خلف سور عظيم من الحجر. شارك بخيت قبل سنوات في بناء هذ السور المحيط بحي القبة في وسط المدينة. يخرج بهم الحراس من بوابة السور الشمالية. يمرون على بيت المال ومنازل الكتبة ومساكن المصريين وأهل مدينة الخرطوم القديمة. تنحرف المسيرة شرقاً فيحاذون النهر. ربما مالوا جنوباً ليدخلوا حي القبة مرة أخرى، وربما نكسوا غرباً ليدخلوا السوق. ليس للمسيرة خط سیر ثابت دوماً. فالمهم أن يتعرّض لها بعضُ باحثين عن عمال يكرونهم فرق بين أيام الخدمة تلك وأيام السخرة هذه.
الشوارع فقدت لونها وخيا فيها البريق. ظلم يظلم لكن روحاً كنيبة كانت تحلق فوق العاملين الآن لعلهم ألفو الظلم القديم. لكنهم اليوم على بوابة ظلم جديد لا يدرون ما يكون أمرهم فيه. أمرهم العسكر أن يردموا حفر الشوارع، وينظفوها من القذارات.
يحملون الجثث فتندلق منها الأحشاء رفع بخيت مع بعضهم
جثة فخرجت ساقها في يده.
وقع حظه على شوارع قريبة من ترسانة السلاح في رفقة خمسة آخرين يعملون والعساكر السودانية تمر بهم جيئة وذهاباً. رأوا مرة أو مرتين ضابطاً أوروبياً يمتطي حصالاً. أحد العاملين سأل متعجباً
- هذا الأحمر مصري؟
بخيت نظر إلى الضابط أصباغ السمع، وأجاب:
إنه انجليزي. إنهم في كل مكان اليوم.
نظر إليه رفاقه في حيرة فأوضح
مثل غردون!!
فهموا قصده الجميع يذكر الباشا الانجليزي الذي بعثته القاهرة قبل سنوات لمحاربة مهدي الله. ثم ذبحه جند المهدي على سلالم السرايا في الخرطوم وهو يلبس بدلة التشريفة.
باشا أحمر اللون ملئ بالأوهام جاء المدينة في أحلك الأوقات. أباح تجارة الرقيق بعد منعها. تودد لمهدي الله وتوعده أغراه بولاية راسله محاوراً. حاول نشر الأمل في مدينة يخنقها الياس،
ووقف في شرفة السرايا يرمق الأفق بمنظار يرتقب النجدة. جاءت النجدة باخرتان بعد موته فصدتها المدافع.
هل تشاركني مخاطرة مربحة؟
سأل أحد العمال بخيت منديل همساً.
نظر إليه مليا كان متوسط الطول، يقاربه في العمر، ضخم
الرأس بشكل ملفت عيناه عكرتان أفصح أكثر.
آخر هذا الشارع الترسانة.
لابد أن بها سلاحاً وباروداً يستحق السرقة.
مد بخيت نظره إلى آخر الشارع رأى العساكر يحيطون
بالترسانة مشرعين أسلحتهم وترقبهم.
ألم تر كل هؤلاء الحراس؟
تلفت العامل حوله ليطمئن أن رفاقهم لا يسمعون.
أعرف أحد الكتبة الذين يعملون في الداخل. سيساعدنا أن نمر عبرهم. وبمعونته سنأخذ بعض البارود والسلاح ونهربه
عبر السور إلى النهر.
تواثبت روح مغامرة داخل بخيت. لكنه كبح تحفزه بقوة. قال: هذه مغامرة خطرة علي قد خرجت من السجن تواً. لا أريدأن أرجع إليه تحت حراسة المصريين.
الملخص الثاني من رواية شوق الدرويش :
هز العامل راسه متعجباً، انفلت من جواره يبحث عن شريك آخر يعرف بغيت هذا الحماس لاغتنام الفرص الذي لا ييدا. لكنه مشغول عن كل هذا كان ينوي أن يكتفي بما سيدفعون له آخر اليوم نظير عمله هو يقيم عند مريسيلة فلا يحتاج لكثير مال وأي خطوة غير محسوبة، وغير ضرورية، ستبعده عن هدفه كثيراً.
يعمل وهو يفكر في خطوته القادمة طلب من مريسيلة ما يريد من معلومات. لكنه يحتاج إلى سلاح ونقود. لن يحصل عليهما سرقة ذلك يعرض كل مهمته للخطر عليه أن يجمع أجرته ويدخرها رويداً رويداً كنملة نشطة.
ليس متعجلاً، فقد حدد لمهمته وقتاً مدته الأبد.
كان أصل مدينة أم درمان قرية صغيرة للصيادين على ضفة النيل الغربية تواجه عاصمة البلاد، خرطوم الترك. ولما نزل بها عام 1885، سيدي مهدي الله عليه السلام، بعد أن فتح الله له الخرطوم، جعلها دار مستقره إلى حين.
خرج المهدي عليه السلام راكباً جمله حتى إذا برك بموضعه الذي أمره الله بنى فيه بيته. ذلك الذي دفن فيه لما مات، وقامت هناك قبته المباركة تضم جثمانه الطاهر.
نبنت البويتات من الأرض من طين وقش وجلد، ثم كساها
الزمان طوباً أحمر وحجراً.
امتدت المدينة بمحاذاة بحر النيل في قلبها قبة سيدي المهدي وغرب القبة المسجد الكبير. وجنوبهما منازل خليفة مهدي الله واقربائه وحرسه وأهله من غرب البلاد. وشمالهما منازل أهل شمال البلاد ابناء النيل.
وفي المنتصف بيت المال وبيت الأمانة حيث مخزن الذخيرة، وسجن الساير الذي خرج من جوفه بخيت ليلة ألقى بخيت منديل في سجن الساير قبل أعوام كان الوقت صيفاً.
قذفوا به بين أيدي الحراس وهو ينزف غزيراً. كان يرجف هلعاً بين مصدق ومكذب في جوفه بقايا خمر مازال يجد مذاقها اليوم.
تلقاه الحراس راغبين في ضربه. لكن ما كان على جسده موضع يقع عليه سوط جسمه متورم ينزف ملامحه ما كانت بادية. أدخلوه إلى غرفة حجرية صغيرة لا منفذ لها إلا الباب الذي أوصدوه خلفه. رائحة عطلة، وعفن الجروح المتقيحة يعبق بالحجرة حارة كقدر يغلي.
رموه على أجساد الراقدين ففزعوا وصرخوا شتموا بخيت والحراس الحجرة مظلمة كدنيا كفيف لم يكن عليه سوى سروال ممزق لا يستر أحس الأجساد حوله تزحف لتفسح له مكاناً على الأرض. كان سكراناً بالفزع وبقايا المريسة. سال بوله حاراً أسفله. سمع من بعيد أحدهم يسب الدين. لكنه لم يهتم. واصل دفع بوله دفقاً ليختلط بدمه. ركله أحدهم على جنبه. ثم سبّه حين تلطخت قدمه بالدماء قرب الفجر أخذ يبكي ناح بصوت عال لم يبك بعدها طوال مدة سجنه. كأنما أفرغ كل حزنه في ذاك النواح زحف إلى ما ظنه اتجاه الحائط وحاول أن يقى المريسة التي داخله تباعد عنه رفاق الزنزانة. لكنهم قاربوه مرة أخرى لما رأوه عاجزاً عن إخراج شيء ما كان بجوفه سوى الخمر التي تسللت إلى عروقه لتلهبه ما بقى من عمره. بصق ثم استكان بظهره إلى الحائط الغرفة حارة كجهنم سمع أذان الفجر يرتفع من المسجد القريب، وأصوات بيبان الصفيح تتنحى لتفسح
للمصلين الطريق.
بقي دون حراك. سأله رفاق الزنزانة عن جريمته. لم يجب.
تطوع كل واحد منهم بذكر تهمته.
أنا قتلت ثلاثة.
جلبوني لتأخر سداد دين.
محكوميتي خمس سنوات لتهريب الذرة من الشرق.
أنا مظلوم هربت من سيدي فأمسكني الجهادية وحيسوني هنا لا أعرف حتى متى.
أقضي حكم ثلاثة أشهر لأني دخنت التنباك.
سرقت حماراً من سوق الجزارين.
أصوات كثيرة تبارت في ذكر جرائمها حتى اكتظ رأسه
بالضجيج العالم كله في هذه الحجيرة.
قطع سيل الأصوات دخول النهار الغرفة في معية الحراس. امسكوه ووضعوا في قدميه ستة قيود ثقيلة. قيدوا يديه بجنزير ضخم شدوه إلى عنقه. قاومهم فجلدوه وقع الضرب على بعض مجاوريه فصرخوا وتباعدوا حين فرغوا منه تفقدوا بقية المساجين وجدوا أحدهم ميتاً. سحبوه خارجاً وأغلقوا الباب. تقارب المساجين مرة أخرى ليمتزج عرقهم وخوفهم سألوه مرة أخرى عن جريمته.
صوته خرج مفعماً بالوحدة التي يصها.
جريمتي المحبة.
تعجبوا صمتاً لبرهة قبل أن ينفجروا ضحكاً حذراً.
هل هذه تهمة رجل؟ يالخيبتك.
لم يهتم بخيت منديل بالشرح
انزوى بحزنه عن المساجين الذين أُخرجوا إلى الغناء. لاذ بقعر الحائط مستكيناً.
تلف إلى أجزائه لتحتويه
ما كان به طاقة للحكي. كان يريد أن يجتر كل لحظة في اليوم السابق كي لا ينساها. يريد أن يحفرها على جسده أوشاماً صامتاً شرع يكوي جلده بالذكريات. انغرست فيه الأوهام. تلك التي رافقته ما عاش بعد ذلك.
يوم يألف علي فيه أعاد حساب ما مر من دهره
تذوق سعادته الماضية. توجع مع أحزان ما ظنها موجودة.
ثم خلص إلى حقيقة عاش بها ولها.
سينتقم ويموت لأجلها.
سيهديها عصفور دوري مرة أخرى.
لن يمنعه شيء عن طلب ثاره لن يُسلم للحزن قيده. لن يقتل بالذنب روحه بل سيغذي بالغضب قلبه. لا يعلم كم سيبقى هنا. لكنه يوم يخرج سيكون ممثلناً غضباً كافياً ليحصل ديون ثاره باحتراف.
حدد هوسه قرر أن يطعم نفسه المقت ويرويها الكراهية. حتى يوم خروجه. اليوم الذي لم يعلم حينها، أن عليه انتظاره سبعة أعوام.
في يومه الثاني عرف أن عليه أن يعمل ليأكل. لكنه كان زاهداً فلم يهتم للخروج بقي متسكعاً في الغناء بقيده. كلما مشى أصدر صوتاً معدنياً منقرا يحصي بفرع السلاسل
خطواته واتساقها. أحسن إليه بعض السجناء فدفعوا إليه شيئاً من قليل زادهم.
أحدهم وهبه خرقة كان يستعملها ليروح بها على نفسه في ليالي الحر. هذا جسدي أنت أولى بها مني فأنت جديد. أما أنا فقد اعتاد السعير. شرح له ستحتاجها لتروح على نفسك فالهواء هنا مقيد مثلنا بقيود المكية. يجثم ولا يقدر أن يهب عليك أن تحركه بهذه الخرقة لتحصل عليه.
يمشى في فناء السجن ينظر إلى المساجين مع محسنه الكريم. عبد ما عاد له سيد.اسمه جوهر هو مثله أنحف منه، لكنه أطول قامة أطول من أي أحد عرفه بخيت من قبل على خديه آثار فصد رفيعة له شعيرات قليلة أسفل ذقنه فشلت أن تصبح لحية. كان ثرثاراً لطيفاً. أوى معه إلى ظل قصير.
أشار له إلى حجرة نائية وقال:
تلك غرفة العجائب بها ثلاثة مصريين اثنان من موظفي
الحكومة، وثالث جندي أمسكوه يتجسس في بربر. ومعهم أنه رجل يزعم عيسى بن مريم، وخامسهم شيخ من شيوخ النصارى يأخذ الحراس من كل واحد منهم، عدا نبي الله
عیسى ريالاً في اليوم ليتركوا الغرفة لهم وحدهم دون
مساجين آخرين.
عرفه إلى حجرات الحراس وحكى له عن التومة زوج أحد الحراس التي تؤدي بعض خدمات للمساجين مقابل هبات قليلة.
خدمات؟
تهرب إليك رسالة من امرأة أو توصلها عنك. تحضر قدحاً
من المريسة. ربما مقابل ريال تسمح لك بلمس مؤخرتها.
ثم أردف مؤكداً:
مؤخرتها تستحق الريال وأكثر عظيمة كانها القية.
ليس البخيت أي ميل لامرأة الآن. فالتي استرقته ليست هنا.
ذهبت ومعها كل ما يشتهي في النساء.
جوهر سأله في شغف:
سمعت أن جريمتك المحبة. كيف هذا؟
لم يجب
هل قتلت زوج عشيقتك؟
لم يجب.
لمسكوا بك في بيت امرأة متزوجة؟
لم يجب.
جوهر لم يلح. دلف به إلى أحاديث أخرى وحكايات عديدة.
في غضون أيام قلائل صار بخيت منديل
ملماً بكل تفاصيل السجن. تاريخه حكاياته، توزيع القوى بين أمير السجن وحراسه عادات المساجين وأحزانهم ما ترك جوهر صغيرة ولا كبيرة إلا حكاها صار رفيقه وملازمه ربما دلتهما القدر فأدخلهما الحراس غرفة واحدة ليلاً وربما غالباً، ما فرقوا بينهما. كان حشر المساجين في الغرف يتم كيفما اتفق. يساقون سوق الأغنام جلداً ويحبسون حتى الصباح يعيدون وضع أغلال الأيدي لبعض،
يحصون الأحياء، يسحبون الأموات، يحصلون رشاهم، ثم يغلقون الأبواب.
بخيت كان يبيت في أغلال الأيدي ثم يطلق صباحاً ليتخبط في قيود رجليه.
يوم أكمل شهره الأول خرج إلى الخدمة لأول مرة.
جره حارس من عنقه ودفعه إلى صف طويل من المساجين
يتعثر خارجاً. هالته شوارع المدينة في هدوئها. رغم تجلده كان يظن المدينة نائحة والشوارع ترتدي الحداد. كيف مازال النيل في مكانه؟ لم تهو القبة ولا طار مسجد الصفيح في الهواء. ما تخيل أم درمان بدونها ما عرف أم درمان بدونها. لكنه عرف أن الحزن حزنه أدرك كم هو وحيد في هذا العالم. ربما هناك باكون. لكنه الحزين ربما هناك آخرون. لكنه وحيد.
اختاره و جوهر ومعهما ،آخر شخص قرب حي قبيلة كنانة. أخذهم إلى منزله لاستكمال حفر بئر. كان بخيت راغباً في الثرثرة فروحه مثقلة بالقروح. أصر أن ينزل هو وجوهر إلى البنر ويبقى رفيقهما بالأعلى ينقل التراب. وهو يملأ الدلو مرات ومرات حكى لصديقه حكايته حكى ودمعات تفر من عيني جوهر الذي يتشاغل بالحفر. لكن مجرى الدمع كان ظاهراً على خديه المكسيين تراباً ناعماً. حدثه عن حواء. حبه نفورها وميلها العصافير التي أهداها إليها. العشق الذي أثقله دفترها وروحها المسكوبة فيه حبراً. حكى له حكايات مختلطة مفككة لا رابط بينها سوى هواه. لكنها ر فأبكته أشركه في وجعه، نزهها عن أي خطا وحمل نفسه كل لوم أشركه في أوهامه حقائق ما الحقيقة إلا ما تتذكره ذكرياتنا هي الواقع والوهم حقاً، هو ما حدث. انتهى اليوم وما انتهت الحكايات جهد جوهر أن يُحبس معه في غرفته لكن الحارس شاء غير ذلك. ومشيئة الحراس نافذة. حتى الرشوة لم تفلح فمضى جوهر بحزنه وفضوله إلى غرفة اخرى وترك بخيت منديل ببقايا مست جوهرحكاياته يندس في غرفة مع جماعات من السجناء.
لم يقيدوا يديه الليلة بعد أن دفع شطراً من أجرته للحراس حشر نفسه وسط المساجين سمع من يشكو مكانه جوار حفرة الغائط. تحرك بعضهم في الظلام صاح أحدهم يطلب من الذين قرب الباب أن ينتحوا جانباً ليمر نور القمر عبر شق عريض بخشب الباب. برهة ثم دخل النور دانخاً شاحباً. ارتمى بعضه على وجه بخيت وبعضه أنار السبيل للشاكين كي يغيروا أماكنهم قبل أن يُحجب النور مرة أخرى سمع بخيت منديل من يقول:
أهو أنت؟ يا للصدف.
لم يدرك من يقصد صاحب الصوت. لكنه أحسه يزحف مقترباً.
أنت بخيت عامل مصنع الصابون هل نسيتني في بضع أيام؟
تململ بخيت مكانه. هذا الصوت المتسخ.
لم أنسك أنا لا أراك. ضحك الصوت. في رأسه يحسه قذراً يقطر بالدنس.
في هذا القبر لم أكن أنا أيضاً لأراك لولا النور الذي دخل قبل قليل.
وصل المتحدث إلى جواره التصق به.
من أنت؟
أنا يونس ود جابر.
بونس!!
نعم يونس.
يونس عسكري الجهادية؟
ها أنت تذكر.
باللنور الذي يغشاه
السجناء هاجوا وصاحوا حاول بعضهم دفعه بعضهم كان
يضربه بقوة. لكنه لم يتزحزح
لا حول الله !! ستقتله.
نعم هو يريد أن يقتله.
بلغ الصياح مبلغاً حتى فتح الباب وهجم الحراس. ضربوه بعنف لكنه لم يطلق عنق يونس. حين قفز الضوء داخلاً من الباب المفتوح ليحتل الغرفة رأى الوجه المحتقن بين يديه محجراه محتقنان ولسانه يندلق من فمه. كان يشخر بعنف وكفا بخيت تضيقان على عنقه. تلقى ضربة على جانب عنقه فتراخت قبضته أخرى فغامت الدنيا. لكنه تشبث. أنشب أظافره ليؤذي خصمه أكثر. لكن الضربات القوية على عنقه لم تمهله موته.
وهو يهوي مبتعداً بوعيه رأى حواء تنظر إليه من الباب المفتوح.
بيضاء يغلفها النور الفضي.
وجهها كان حزيناً.
حين فتحت أبواب الغرف صباحاً جرى جوهر يبحث عن
صاحبه.
سرى الخبر كالسحر في السجن كله ليلاً. عرفت كل الحجرات
أن بخيت منديل حاول قتل سجين جديد دفع جوهر رشوة ليسمحوا له برؤية بخيت في عموده المعلق عليه. قاده الحارس إلى مسافة أقدام وأوقفه أراد أن يهرع إلى صاحبه لكن الحارس منعه.
اتفقت معك أن تراه أن أردت معاينته عن قرب ادفع أكثر.
لم يكن جوهر يملك ما يدفعه فاكتفى مرغماً بالنظر من بعيد.
بخيت كان معلقاً إلى عمود خشب ضخم في الجانب الشرقي من فناء السجن. ظهره يرشح دماً بلا توقف وسرواله المفرق قبلاً صار مزقاً الآن. قدماه لا تمسان الأرض. وحول معصميه وعنقه يلتف جنزيران ضخمان يلوّنهما .الصدأ رأي جوهر الدم يقطر سائلاً على أصابع قدمي بخيت، ينخر الأرض.
محزوناً تراجع.يونس. هرع يمر على الغرف يجمع بقايا طعام ثم أخذ يبحث عن . سأل عنه السجناء فدلوه عليه محتبياً في ظل غرفة قصية. يجلس وحيداً يلعق ذهوله. قدم إليه الطعام فكل جديد في السجن تشغله جدته عن تدبر شأن الأكل في أيامه الأول. تودد إليه بالحديث حتى أزال توجسه جوهر متحدث لبق ومنه سيتعلم بخيت منديل
كيف يشرق بمستمعه ثم يقوده غرباً مشدوها. قال له:
مرحباً بك في الساير ليس من المعتاد أن يتعرض سجين جديد لما تعرضت له لكن ما حدث له فوائد. فقد جعلك مشهوراً للشهرة في السجن فوائدها إن أحسنت استخدامها.
فمه بالطعام وهز رأسه زحف جوهر بالحديث متسللاً لما حدث قص على يونس أساطير اختلقها عن هجوم بخيت منديل عليه بلا إنذار تعمد أن يوجعه بحكاية عن صراخ حشا یونس وتوسله.
انتفض العسكري السجين.
كذب هذا كذب لو شئت لذبحته هناك.
يقولون غير ذلك.
أخذني المجرم النجس على غرة لكني سأقتله.
تقتله لما فعل أمس أم لتاريخ بينكما؟
أنا أعرف الكلب منذ زمن.
وقع جوهر على بداية الأثر
كيف ذلك؟ حدثني عن هذا.
طلب يونس شراباً هرول جوهر مسرعاً ليحضر الماء. مر في
طريق عودته على التومة فأوصاها أن تزور بخيت لتسقيه خفية. وعدها أن يهبها أجر يوميته لأسبوع قادم حين لامته نفسه على هذا الكرم واساها العاشق في ذمة العاقل
رجع إلى يونس فألفاه محاطاً بجمع من سجناء الجهادية. اندس وسطهم متبرما. ما عاد للحكاية مكان
عرف أنهم معارف قدماه يونس خدموا معه في رايات الجيش.
كانوا يحرضونه على الانتقام. في عز صخبهم لم يميزوه، لكنه يدرك أن فيهم من سيتذكر أنه صديق بخيت فيما لم يفترقا لأسبوعين. حينها لن ينجو تسلل مبتعداً وقد كفاه ما سمع.
قضی نهاره يراقب صاحبه من بعيد حذراً أن ينال منه الجهادية. رأى التومة تتسلل إليه فتسفيه شيئاً يسيراً. من النهار بسلام حتى حُشر جوهر في غرفة في النهار التالي أنفق حيلاً عدة ألا يخرج في طابور الخدمة بقي يراقب صاحبه، حارساً له. كلما أكلته الشمس مال عنها قليلاً إلى ظل لا يمسك نظره عن بخيت. مر به احد الحرس فسأله عنه إلى متى يبقونه هناك. هز الحارس كتفيه وقال انه لا يعلم.
أغلب الظن أن لا أحد يعلم سيبقى معلقاً هكذا حتى يتنبه له أحد من لهم الكلمة فيأمر بإنزاله. أما قبل ذلك فإن يهتم أو يجرؤ حارس على الاقتراب منه أما إن ظفر به الجهادية فهو أقل شأناً من أن يُحتسب. سيلقونه في الخلاء بين سور السجن والنهر لينتفخ هناك حتى العفن.
في اليوم الرابع لمراقبته عثر به يونس ود جابر كان يمشي مختالاً رفقة اثنين من الجهادية حين لمحه. فارق صاحبيه وسار إلى جوهر ألقى إليه سلاماً باشًا. جلس جواره. شكر إليه يده التي قدمها. أخبره أنه بحث عنه ليضمه إلى زمرة صحاب يعرفهم قبل سجنه شكره جوهر وسأله عن جماعة من عسكر الجهادية جاهدنا الكفار سوياً مع مهدي الله
وما الذي جاء بك هنا وأنت من عسكر الجهادية؟
ضحك يونس.
عسكر الجهادية هنا كثر ألا تعلم؟ أما أنا فجاء بي الطمع.
لم يوضح أكثر .
لكن جوهر حدس أنه أحد العساكر الذين يغتالون مال العهدة تحت أيديهم، ثم ينتهي بهم الأمر أمام قاضي الإسلام ليأمر بتجريدهم وحبسهم.
في حكاية بخيت منديل التي لم تكتمل هناك "آخر" كان يسومه عذابات الغيرة كان من عسكر الجهادية. لم يسمه بخيت إلا "الآخر" لم ينطق اسمه قط. أتراه يكون؟
لا يعرف لأسئلته أجوبة إلا لدى صاحبه المعلق على مسافة منه بشده إليه الفلق لم يجد بدأ من أن يسأل يونس مباشرة:
هل تنوي الانتقام منه؟
ادار يونس نظره إلى مهاجمه المعلق كجيفة يابسة.
ليس الآن يحرضني رفاقي على الانتقام لكني لن أقتل ميتاً. إن نجا من عموده هذا فموته على يدي. وإلا فإني قد سامحته قرأ جوهر في عينيه صدقاً رغم أن كحلهما مكر. هدأ قلبه لكنه لم يطمئن لترك المراقبة. قرر أن يتبع سوء الظن ويبقى مراقباً حتى يقضي الله أمراً. لكن القضاء لم يتأخر.
ذلك المساء وهم يُحشرون في غرفهم رأى جوهر الحراس يُنزلون بخيت عن عموده ويجرونه إلى غرفة الجانب البعيدة.
لم يفهم لماذا . لكن قلبه ارتاح أن القدر ربما نظر إلى صاحبه البائس بعين لطف أخيراً.
يغلفه السحاب.
هذا الأبيض لا يكون إلا سحاباً.
ليس في الدنيا إلا عمود هو مشدود عليه و بياض يلفه يعانق بعضاً كنتف السحاب.
تبرز إليه من مكان قصي.
تحمل الشمس في كفيها. فيشع جسده بالدفء. تسري فيه كحلم.
فارعة كما عهدها.
لونها الأبيض.
قال لها يوماً "أنت بيضاء كالنهار"
عيناها مشاعبتان تحملان حزناً دائماً. أنفها المحبب. وشفتاها
كما اشتهاهما دوماً.
ما غيرها الغياب.
مربكة.. تماماً كالحياة.
موجعة مثلها.
ولا أمان لها كالنهر.
يلفها ثوب من نور شمس.
تحوم حوله هل تراه؟ هل تحادثه أم تتجاهله؟
ما أقسى الأمل حين تنتظر ما لا تأمن.
وحدهما في عالم من تتف السحاب. لكنه يخشى أن تتجاهله.
هم أن يناديها. لكن صوته لم يكن معه.
رأها تنظر إلى دمه المتجمع أسفل قدميه بركة قانية يعرف أنها هناك لكنه لا يقدر أن يثني رأسه ليراها جسده مشدود إلى أعلى العمود بالجنزير الغائص في لحمه.
ربما عطفت على عذابه. لعلها تحنو على جراحه لكنها مضت إلى أفق آخر.مرت به كضوء .شارد ما فاز منها إلا بنظرة. ما أحلى ذلك الفوز.
احتضنها بعينيه وأغمضهما عليها. فلتم حيث شاءت. فصورتها هنا لكنه، متحسراً، وجد صورتها في ظلام إغماضه تذوب مسرعة.
"لا تذهبي!!"
تركته ومضت.
يتكون الجيش المصري الذي غزا المدينة من أجناس عدة. قوامه جند مصریون وبعض كتائب من العسكر السودانية هم الأشد غلظة على بني جلدتهم، وقادة من الإنجليز والأوروبيين. دكوا المدينة كالوطء على جحر نمل. ثم انتشروا فيها يستخدمون رجالها الباقين لأصلاحها.
يعود بخيت آخر النهار إلى بيت مريسيلة يحمل تعبه وفشله. فوجئ أن السخرة التي عملها مجانية. الحكومة تستخدم الرجال لإصلاح ما أفسده هجومها لكنها لن تدفع لهم نقوداً. حين سأل عن أجره رأى في وجه فرج الله العسكري شماتة تبرق.
لا يوجد أجر. هذه سُخرة.
ماذا يعني هذا؟
يعني سُخرة. تعمل مقابل لا شيء.
ظن فرج الله يخدعه فسأل أحد الضباط.
قال له الخواجة
أنت تعمل لبلدك. هل تطلب من بلدك نقوداً؟
لم يفهم ماذا تعني بلده. ولماذا لا يطلب منها نقوداً. لكنه فهم أن فرج الله لم يخدعه.
عاد منهكاً إلى مريسيلة.
وبخته كام عصبية. شتمت فرج الله والمصريين والنصارى
وجند الخليفة. وصفعت امرأة جروت أن تطلب منها الهدوء.
فحصته بدقة وحزم لتتأكد أنه عاد سليماً. هونت عليه أمر النقود. لم تسأله لماذا يحتاجها. لكنها طمأنته المال يمكن تدبيره.
قادته إلى العريش جلبت له طعاماً قليلاً. أكل. قالت وهي تشم رائحته تحتاج إلى غسل رائحتك كدجاجة مبتلة.
غداً اذهب للنهر.
نظرت إلى عينيه يعلم أنها شهية نضرة. غيره قد تقتله هذه النظرة. أما هو فميت قبل أن يراها لهذا هو آمن لهذا هو جنة
أمامها.
سألها:
ماذا فعلت في ما طلبته منك؟
قذفت في حجرة صُرة مغلقة.
هذا أحد طلبيك. أما المعلومات فتحتاج وقتاً.
ضم قبضته على الصرة غير مصدق أنها نجحت في العثور عليها في سحابة نهار واحد سألها كيف حققت هذه المعجزة.
لم يكن الأمر صعباً. وصفك كان دقيقاً. وجدت المكان ووجدتها حيث وضعتها ما كان في المكان ما يغري أحد بالبحث فلم تمسها يد منذ دمستها أنت هناك.
فتح الصرة فهبت عليه رائحة المسك.
مد يده يلمس ما بداخلها تميمة من الجلد قديمة قطعة قماش. شظية حديد صدئ مكحل نحاسي عليه نقوش دقيقة. دفترها الصغير؛ حشوه أوراق ومراسلات قديمة خنجر وقلادة أهداهما إياه سيده المصري.
مريسيلة كانت تنظر إلى الأشياء دهشة حين لف التميمة الفارغة حول عنقه سألته.
ما هذه الأشياء؟
ضم على قطعة القماش كفه استرق منها نظرة إلى ماض بعث ملمسها فيه حكايات ولفتات وتفاصيل.
مريسيلة كانت تعرف الإجابة قبل أن ينطقها.
هذا كل ما تبقى منها.
أرادت أن تلعنه وتسبه لكن لسانها لم يطاوعها.
روحها مثقلة. وخواطرها مبللة بالدموع.
سمعت ضجيج المدينة البعيد. صراخ أو ضحكات يبعثرها
الهواء طرقات مكتومة دقات الوابورات في النهر. هل عوى
كلب في مكان ما؟ ما أثقل ليل الخريف. ومضت حياتها أمامها.
رغم كل ما تعلنه من سخط شعرت بشيء كالحسد. ورغم كل من حولها الآن ومن تعرف في حياتها أحست انها وحيدة. قطعة القماش في كف بخيت آمنة أكثر منها في مهب الحياة.
مريسيلة.
لا تكلمني.
مريسيلة.
لا تنطق اسمي.
مريسيلة.
صرخت
اذهب طارد أشباحك. لا شأن لك .
ثم جرت مبتعدة عنه وعن ضعفها.
الملخص الثالث من رواية شوق الدرويش :
أطلقها مرة ثانية فزعقت الطيور في السماء وهاجت توتر متوقعاً أن تهاجمه لكنها صيحت ثم ولت مبتعدة.
انحدر مسرعاً نحو الجثث.
سمع حواء تصرخ به
ماذا تفعل؟ انهم موتى.
هتف معتذراً:
أبحث عن أسلاب تركها من قتلوهم.
سمع صوتها تقول في اشمئزاز
لكنهم موتى ستسرقهم؟
لم يعقب. أنت لا تفهمين هذا العالم القاسي يا حواء وصل إلى أولى الجثث رجل جففته الشمس تماما وثقبته العقبان يرتدي جبة قذرة، مرقعة بشرائط من القطن ذي الألوان المتعددة. ميز مع أثر العقبان نخر الرصاص فتشه سريعاً. لم يترك قتلته شيئاً. حتى قدماه حافيتان انتقل إلى الثاني. لا شئ. هو كسابقه. غير أن العقبان كانت أكثر رحمة به لم تأكل سوى جزءاً من خده، ونهشت إصبعين. حين حرك الثالث عثر تحته على جراب جلد صغير لونه كلون الرمال. ربما لهذا أفلت من القتلة فتحه فوجد بعض ريالات.
فتش الرابع فما عثر على شيء لكنه رأى آثار قيود المكية مطبوعة على الجلد اليابس. ابتسم.
هذا رجل آخر نزل ضيفاً على سجن الساير. ربما لولا ما فعلته العقبان والشمس بملامحه لعرفه قلة محظوظة من الناس من لم تنزل بالساير في السنوات الماضية. لقد عرف داخل السجن أضعاف من عرفهم في حياته خارجه. والتقى داخله بجل من عرفهم خارجه
تسلق التبة. قرر أن يعسكر قليلاً أهال شيئاً من رمل على الجثث؛ فكانت كدفن. ثم سحق بعض اللحم المجفف الذي ابتاعه من إحدى القرى. وأوقد النار لطهيه.
بينما يأكل سمعها تسأله:
كيف هو قتل الثار يا بخيت؟
مسح شفتيه بظهر كفه.
صمت هنيهة ثم شرح تحس القوة. تمتلئ بالحياة، وتطير. يصبح جسدك خفيفاً حتى توشك أن تحلّق هو كخمر لم يصنعها بشر وما ذاقها لسان.
نشوتها تحملني إلى النجوم. تحملني إليك.
أهو أحلى من الحب؟
انتفض بخيت هو الحب.
حين فرغ من الطعام تناول خنجره وقربه من صدره. أغمض عينيه تشمم رائحة حواء المنعشة. قال مستغيثاً:
يا مهدي الله ! ثم غرس الخنجر في صدره.
في دفترها قرأ لا تحب بعنف لأنك ستتألم بعنف. لا تحب كي تخرج سالماً لا لك ولا عليك.
الطاهر جبريل اسم عرفه كثر في أم درمان. كان أحد مقاتلي قوات الملازمين التابعة لعثمان شيخ الدين ابن خليفة مهدي الله.. جاء مهاجراً إلى بقعة المهدي الطاهرة، أم درمان بعد انتقال المهدي إلى السماء لكنه شق طريقه مظهرا صدق الولاء. ففاق من سبقه إلى الدرب ما كان غنيًّا، ولا له من الذكاء ما يشهره لكنه عُرف بالاخلاص كان إن بلغه أمر عن أميره سار عليه لا يلتفت شعاره و دثاره قول الله: يايها الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَتي منكم . وحكت عنه المدينة أنه وهو يتجهز للخروج إلى جهادٍ قال له صاحب "كتب الله لك السلامة"، فخاصمه إلى قاضي الإسلام محتجاً عليه أن المهدي ما طلب لأحبابه السلامة، بل أمرهم بالجهاد أو الاستشهاد.
حين وقعت الواقعة، وفر كل مؤمن عن مدينة المهدي بعد أن لوثها الغزاة خرج الطاهر إلى مدينة القضارف حيث زوجته الثالثة. لجا إلى أهلها فأووه. بقي بينهم شهراً، ثم ضاقوا بخلافات زوجتيه مع ابنتهم فخيروه بين رحيله أو رحيلهن. غضب وطلقها لهم. ثم خرج بزوجتيه وعياله إلى ابو حراز سكنها متهيناً لانتقال يؤمن أنه واقع وبقي يترقب بين بيته والمسجد أن يُحدث الله أمراً. وبعدةثمانية أشهر من الترقب أحدث الله له أمراً.
دخل بخيت منديل البلدة ملقى على الحصان. كان يرتدي جبة قذرة مرقعة بشرائط من القطن ذي الألوان المتعددة، تخرمها ثقوب كثيرة وتغطيها بقع دماء واسعة على وجهه ورأسه تراب ورمل كمن بعث من قبر. تلقاه الناس بذهول لكنه لم يكن ينطق إلا ليردد اسماً واحداً.
أنزله الأهالي عن حصانه تحت شجرة ثم حملوه مرة أخرى إلى بيت قريب تداعى الناس من كل مكان وقد شدهم الفضول. لم يستطع أحد فحصه كلما لمسوه أو ضجوا قربه هاج وتشنّج جسده وأخذ في النداء بالاسم الأوحد الذي لا ينطق غيره.
الطاهر جبريل. تذكر بعض أنه يعرف صاحب الاسم. وتطوع غير واحد بالبحث عنه. وجدوه في المسجد يقرأ القرآن جاء الطاهر، الذي لا يعرف انه سيموت بعد يومين يجري مذهولاً من الجريح الذي يطلبه. وقف على رأسه يغالب دهشته لمّا فشل كغيره، في استنطاق العبد أو فحصه أعلن أنه سينقله إلى منزله. نقله حمل بخيت وهو يتأوه، وجراح صدره تشكو صدقاً سوء ـ ساروا به زماناً قبل أن يضعوه على سرير خشب في بيت الطاهر جبريل ظل يشخر ويردد اسم الطاهر مشدوها حيناً وصارخاً أحياناً الغري خلص مراقبوه إلى أنه مصاب أذهبت الصدمة عقله ملوا مراقبة هذيانه فخرجوا عنه. يسمعهم في فناء البيت يتبادلون الاستنتاجات.
أكثرهم حيرة الطاهر جبريل يهذي ويصيح حتى انقضى اليوم ثم أقبل الليل والطاهر جبريل يدخل عليه كل حين متلصصاً ليجده على حاله من الصراخ والهمهمة باسمه ما غفل بخيت ولا نام يحرص أن يتقن دوره،
ويخشى غفلة تكشف مكره.
قرب الفجر أخذ صراخه يهدأ. وحين سمع الطاهر يتهيا لصلاة الصبح بدأ ينادي:
ماء دخل عليه الطاهر جبريل بعد وقت. فتح بخيت عينيه ليراه. لكن الظلام كان بعد هناك. ما ميّز غير هيكله العملاق كأول مرةوراه فيها.
كرر في ذهول ليسمعه:
درع الطاهر جبريل يجلب له الماء فعب منه كثيراً. كان عطشاً بحق شرب بشغف ثم تمدد على السرير. أغمض عينيه متماوتاً.
ناداه الطاهر أكثر من مرة، ثم حوقل وخرج عنه سمع صوت مؤذن الفجر يدعو ابتسم في ظلام الغرفة وقرر أن يحصل على قليل من النوم.
استيقظ ظهراً بيد تلمس صدره فتح عينيه ليرى الطاهر جبريل لأول مرة في ضوء النهار. هو كما تخيله تماماً.
ضخم كبوابات سور أم درمان في أواخر الثلاثينات، داكن البشرة بأنفه فطس خفيف لا لحية له، لكن شاربه يسيل إلى ذقنه. يرتدي جلبابا، تحته سروال واسع وصندلاً جلدياً على رأسه الضخم طاقية مطرزة يتدلى منها زر. حي كمن لن يموت. لكنه كان سيموت غداً.
حين ابتسم في وجه بخيت ضاقت عيناه وبرزت أسنانه
المصفوفة.
حمداً لله على سلامتك.
أجابه متغابياً:
أريد الطاهر جبريل.
أنا الطاهر جبريل. أأنت بخير؟
اغمض عينيه في راحة.
وجدتك أخيراً
ساله الطاهر بقلق:
من أنت؟
لكنه لم يجبه. إنه لا يذكره. كأنه ما حمله ذنباً لا يغتفر. تظاهر بالنوم، انتظمت أنفاسه وخرجت ثقيلة من صدره الوقت مبكر على الطريدة للفخ. جر ادعى النوم حتى غلبته سنة. أفاق منها على ضجة خافتة نظر فوجد الطاهر يضع قدحاً من طعام جواره. قام بفتور، فأسرع إليه الطاهر يعينه تأوه إذ تحرك جرح صدره. نظر إلى القدح فوجده مليئاً بالعصيدة شكر الطاهر أكل وشرب بعدها الكثير من النشا ليسترد عافيته التي يدعي فقدها. ثم أدخل عليه طريده الماء فاغتسل مكانه حين أوشك العصر على الذهاب كان مستعداً للحديث أزال ما عليه من ملامح رهق بعث من عينيه نظرة تجلّد. جلس الطاهر جبريل قربه على السرير. ضمتهما الغرفة الصغيرة المبنية بالطوب المحروق. سقفها عال من الخشب.
قال له:
هل يسمعنا الناس في الخارج ينتظرون خبرك.
اصرفهم، ما أحمله لك سر لا يطلع عليه غيرك.
تردد الطاهر. فقال له بخيت
انما جنتك في شان الله.
قام عنه وخرج سمعه يصرف الناس ويعدهم أن يلتقيهم في
المسجد.
ميت يضرب موعداً.
ما أغفله
أنا الموت يا جاهلي عندي تنتهي المواعيد.
عاد إليه وأحكم غلق الباب.
جنتك رسولاً من الأبيض. أنصار الله يجتمعون. وخليفة
مهدي الله ذكرك بالاسم
شهق الطاهر فرحاً.
سيدي خليفة مهدي الله.
مدحك له الأمراء فطلبك.
الطاهر يرجف من فرح البشارة.
أعاقني لصوص أن أقدم عليك مبكراً. الآن ليس لدينا وقت للبقاء. هل تقدر أن تنطلق معي، سراً، بعد الغروب؟
لا شيء يؤخرني عن دعوة سيدي الخليفة.
ساله این حصاني؟
ساجلبه، ومعه حصاني وبعض حاجيات. وننطلق حين تقدر. أنا مثلك ما كنت لأتأخر عن دعوة سيدي الخليفة اجلب الحصانين ولننطلق مع غروب الشمس. احمل لنا بعض الدقيق والسمن والتمر والماء. لا تكثر فإني أخفيت بعض زادي تحت شجرة كاكموت وحيدة شرق البلدة، ولي رفاق
سنلتقيهم على مسيرة أيام قليلة معهم كل ما نريد.
هل نحن كثير ؟
ما يكفي لدحر الكفرة.
قفز الطاهر عجلاً. هرول يحفه فرح المؤمن الجنة تدعوه. وسيد الخلق خليفة مهدي الله يذكره أحضر لبخيت ثياباً ظن أنها تناسبه لكن بخيت حين جربها ضاع في ثناياها تركها وعاد إلى جبته الممزقة. أخذ منها عمامة أحكمها على رأسه وترك طرفها منسدلاً على كتفه الأيسر. انتظر وقتاً قصيراً حتى عاد الطاهر جبريل متهيناً. قال معتذراً.
أخبرت زوجتي أني مسافر. وأوصيتهما أن تقصدا جاراً لي ان أحوجتهما الدنيا إلى شيء لم أخالف بهذا سر خروجنا أليس كذلك؟
لم تفعل. لكن يحسن بنا المبادرة قبل أن تشيعا سرنا بطبع النساء.بعد الغروب بدقائق تغطى بخيت ورفيقه الطاهر بستر الظلام الرقيق خروجاً من البلدة قاده الطاهر عبر شوارع خالية وطرقات جانبية يعبر أبو حراز للمرة الأخيرة على أسطح البيوت تقف الغربان ترقب خروجه الذي لا عودة منه لم يصادفهما إلا بعض نسوة يعبرن شارعاً فزعات بخيت أحكم طرف عمامته المرسل على وجهه فلم تبد منه غير عينيه المتوثبتين.
حين تركا البيوت خلفهما سأل:
اين الطريق إلى شجرة الكاكموت التي حدثتك عنها؟
نحن في طريقنا إليها يا بشارة الخير.
سارا ساعتين تحت النجوم وقمر يجاهد السحب. رأى بخيت شبح الكاكموت يظهر أمامهما شامخاً. وصلا تحتها. نزل وهو يحكم قبضته على رسن حصانه مال على الأرض نابشاً بيده الطليقة.
تراجع فزعاً وصاح:
يا مهدي الله !!
جفل الطاهر وهتف به
ماذا هناك.
تراجع متوتراً.
انزل لتراه ليحفظنا الله.
قفز الطاهر عن حصانه وهرع نحو جذع الشجرة الغليظ مال على البقعة التي نبشها .بخيت ما رأى شيئاً مد يده حذراً يتلمس. لا شيء.
رفع راسه عجباً وهتف برفيقه:
لا شيء هناك. مالك
سمعه يصرخ فيه
وقعت أيها الكلب.
هجم عليه. ما ميّز شيئاً من الظلام والذهول. قيده بجسده، وتلقى
ضرباته على وجهه ورأسه حتى نزف. أمسك بخيت رأسه وخبط به جزع الكاكموت .مرات. شخر الطاهر جبريل. حاول أن ينهض
بخصمه الجاثم فوقه. لكن قدماه ما أطاعتاه تهاوى وهو يصرخ لا تقتلني! لا تقتلني!
وغاص وجهه في الرمل.
أنا الموت.
لا راد لي
هل تذكرونني؟
أفاق الطاهر جبريل والشمس تلسعه. حاول أن يعتدل فعرف أنه مقيد. يداه مكبلتان بعمامته خلف ظهره. وقدماه تحته مثلهما. كان عارياً إلا من سروال قصير. سرّح بصره ما قدر ملقى في وادٍ رملي بين تبتين أمامه ما يبدو قبراً رملياً مرتجلاً تبرز منه قدم جافة ككسرة خبز. نادى:
يا أهل الشام
لم يجبه أحد. عرقه يسيل على وجهه. ورقص بقدميه فيثير غباراً. يحاول عبثاً أن يجلس يكرر النداء الشمس للحره بحرارتها. ينادي
يا أهل الله !!
يحس حركة خلفه ينتفض خشية أن يهاجمه أحد ثانية لكن بخيت يدور حوله حتى يقف أمامه لا يرى منه سوى قدميه المغلطحتين، مشققتين كطمي جاف. يرفع بصره فترده الشمس.
من أنت؟
يمسك به بخيت من شعره فيقيمه على ركبتيه. يجلس أمامه.
هل عرفتني؟
لا أذكر من أنت؟
يقطب بخيت
هل تذكر حواء؟
لم يعرف الطاهر ما يقصد محدثه. هز رأسه قلقاً. ما كان يعرف الإجابة التي يظن أنها قد تطلق سراحه.
ذكره بخيت
عبد القيوم بن الشيخ إبراهيم الشواك. النعيم ود الحاج طه
الدليل.
بصيص من ذكرى يلمع في عيني العملاق المكتل.
كانت ليلة السابع والعشرين من رجب. هل تذكر؟
الكافرة.
صرخ بخيت
حواء
انشب أظافره في وجهه وهو يصرخ
قتلتها. أنت قتلتها أيها الكلب.
عوا الطاهر من الذعر بخيت يخنقه وهو يصرخ باسمها. لكنه يتدارك نفسه قبل ان تنزف روح خصمه. كان مهتاجاً يسيل الزبد عن شفتيه.
كتلك الليلة حين حكى له النعيم
كان في بيت إدريس النوباوي يشرب المريسة غاضباً على حواء وما قررته يلعنها ويلعن يونس ود جابر عسكري الجهادية. بقي يسكر يوماً وليلتين. يبكي خيانتها. قام مع الطاهر جبريل مجبراً. ثم عاد إلى سكره. دخل عليه النعيم وهو لا يعي. حين أبلغه، مستخفاً، هاج ليلتها رجفت المدينة، وصرخت معه النجوم.
ابنها السماء لأدكن بروجك.
سألتقط الكواكب وأرجم بها العالم.
سقط الطاهر جبريل على وجهه يبكي مذهولاً. وجلس بخيت
يلهث جواره غضباً.
الطاهر يبكي متمتماً بما لم يتبينه. رفع عن الأرض وجهه.
التراب يخرج من فمه إذ يتحدث.
لو فكيف إذا أصبتهم مصيبةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جادوك يحلمون بالله إن أردنا إلا إحنا وتوفيقا .
كان يرددها بلا توقف تخرج مختلطة بدموعه. لم يرث له
اتغني آيات الله اليوم. ماذا بخيت
جذبه من شاربه الضخم فانتبه له الطاهر جبريل
قرب وجهه منه، قال بوحشية:
أظن القاتل أن لن يقدر عليه أحد؟
الطاهر جبريل كان يتذكر جيداً الآن. كان يعرف أنه سيدفع ثمن تلك الليلة.
لا مفر.
لكمه بعنف سقط الطاهر جبريل على ظهره يرجف داس بخيت على عنقه بقدمه وصاح
یا قاتل
يلمع الخوف في عيني الطاهر جبريل كبرق عاصف عيناه
رطبنان بالدمع المحتقن.
ليغفر الله لي ليغفر الله لي.
يوجعه بخيت بقدمه ويقول من بين أسنانه
لا غفر الله لك. أنت قاتل.
لا رأفة بقاتل تخضبه الدماء. الدماء لا يسكنها إلا دم. ليس لقاتل توبة. من يخرق أمان الله للنفس ليس له إلا العذاب.
ذبحه فارتاحا
حز أولاً أصابعه بالسيف. واحداً بعد الآخر. يصرخ الطاهر
يا الله !! خذ مني حتى ترضى.
قطع أصابعه واحداً بعد .واحد سال دمه حتى أغرق الأرض. ظل يهذي بلا توقف.. يستغفر متعثراً.. حتى بدأ يغيب عن الوعي حيناً ويفيق. لونه صار شاحباً جسده يرجف. كلماته مختلطة غير مفهومة رماه بخيت على الأرض وجلس قربه يلهث. صب على جراحه الرمل الساخن وحين بدأ ينن كبعير، ذبحه.
ترك الجثة مكانها وسط طوفان دماء لزجة ملقاة على وجهها
فوق الرمال. حولها تتناثر عشرة أصابع. أسرج الحصانين وأوشك
على المغادرة حين أحاطوا به هم بانتزاع سيفه لكن رماحهم وضعت على عنقه.
وهو يرخي ذراعيه مستسلماً سمع الصوت يقول له:
عاهدت الله ومعلمي أن لا أفلتك. إن كنت هارباً فأنا القدر يا
هذا. والقدر لا يُفلت صيده.
الملخص الرابع من رواية شوق الدرويش :
لا ينام يتقلب بخيت منديل في مكمنه على مقربة من أبو حراز ويجهد أن يستدعي النعاس. يتوسله بـ ﴿ قُل مَن يَكوكُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرحمن بل هم عن ذكر ربهم تعرضون . يتمتم بسورة الأنبياء). لكنه لا ينام
يجهل أنهم خلفه قدره مطاردوه الذين لم يكلوا لا يعرف أنه
صيد كما هو صياد.
يشغل باله من يطاردهم ولا يعلم أن بينه ومطارديه أيام.
يبحثون عنه في جد ليحصلوا منه ثأرهم.
يتذكر قتيله الأخير.
الشيخ إبراهيم ود الشواك.
منظره وهو يتصدع ويسقط كجذع الشنط
ولد الشيخ إبراهيم ود الشواك الذي مات قبل أيام، في إحدى قرى دنقلة شمال السودان حوالي العام 1826. هاجر طفلا معية أسرته إلى خرطوم الترك حين شرع خورشيد باشا في اجتذاب السكان إليها بتوسعتها، وإنشاء المباني والحدائق لتكون عاصمة للقطر. حقق والده عبد الله ود الشواك قدراً معقولاً من الثراء بالعمل مع شيخ مراكبية المغاربة الشيخ عبد السلام في نقل أحجار مدينة سوبا المقتولة إلى الخرطوم الوليدة. خبرة الدنقلاوي المهاجر كانت مفيدة الشيخ المراكبية، فقربه وأغناه عن العمل لغيره. وكان إن لامه أقاربه على تقديم المهاجر ضحك وقال "ود الشواك لا يرفض عملاً ولا يكل. إنه لا يعرف التعب. فهو ككل الدناقلة شیطان مجلد بجلد إنسان"
بلغ تقدير الشيخ عبد السلام لود الشواك أن زوجه إحدى
قريباته عرفاناً لإخلاصه الزيجة التي ما استفاد منها إلا إبراهيم ود الشواك، بعد أعوام، إذ تزوج إبنة أخت زوجة أبيه، فورث بها ثروة طائلة عن أبيها.
نشأ إبراهيم ود الشواك في الخرطوم في معية المغاربة أول أمره، ثم لما شب رافق أبناء الجركس واليونان فتعلم منهم أصول التجارة ومسالك الرزق. ونمت لديه غريزة الربح وقراءة اتجاه الريح بقوة. فكان كمن يقرأ غيب المكسب. لا تخطئ له صفقة ويمشي في ركابه الربح تابعاً مخلصاً. وإذ تزوج من النوار بنت الحاج قاسم المغربي تاجر الغلال كان قد غرس راية مجده في أعلى تلال الثراء. لكن أربح صفقاته عقدها حين حوصرت الخرطوم، فأمان أغلب الأثرياء، من تجار الرقيق والعاج والأبنوس والجلود والحبوب وعلية القوم من الشيوخ والعلماء والوجهاء باشا المدينة غردون الإنجليزي، توهماً منهم أن القاهرة ستنقذ
حاكمها قريباً.
الشيخ إبراهيم ود الشواك لم تخدعه خطابات الباشا، الذي انتهى ذبيحاً على سلالم السرايا، وبلاغاته التي ينشرها معلناً قُرب الفرج وانهزام المتمردين الدراويش. فبعث سرا بالرسائل إلى أمير الأمراء عبد الرحمن ود النجومي يعلن ولاءه لمهدي الله. وبعث بين يدي ولانه بأموال وهدايا للجيش المحاصر. وأرفق مع ذلك تقريراً وافياً بموقف الغذاء في المدينة المنيكة، وكشفاً تفصيلياً بثروات ومواقف أثرياء المدينة بمن فيهم أصهاره أبناء الحاج قاسم المغربي رسائله طارت سريعاً حتى تلقت مهدي الله في أبوسعد، فحظيت بتقدير وثناء ونال الشيخ ابراهيم مقابلها، بعد
أشهر قليلة، مكانة وحظوة لدى خليفة المهدي. وكان الشيخ إبراهيم يفاخر أنه من القلة الذين دخل بهم الخليفة على جثمان مهدي الله قبل أن يُعلن خبر صعوده إلى السماء.
طوال ثلاثة عشر عاماً ارتفع نجم الشيخ إبراهيم إلى أقصى قدر يمكن أن يبلغه تاجر خرطومي، أصوله دنقلاوية حين أرسل خليفة المهدي الجيش لغزو مصر أنفق الشيخ إبراهيم ود الشواك على الجيش ما لا يحصى من الأموال ودعمه بعشرات العبيد الذين اشتراهم لم تهزه حوادث تنازع السلطة بين قبيلته الدناقلة وأبناء العرب والأشراف من ناحية وخليفة مهدي الله من ناحية. ساهم في دعم قوات الجهادية في كل حملاتها ودفع بابنه البكر إلى ثلة
عثمان شيخ الدين وريث أبيه، خليفة مهدي الله، المرتقب. دانت له الدنيا التي كان يدين بدينها، ولا يؤمن بغير الربح فيها رباً.
لكنه، كعهده بغريزة المكسب، استشعر القلق قبل الغزو. فقام بتهريب قدر من أمواله خارج أم درمان واشترى جنائن ومنازل في عدة مدن بعيدة جنوباً، لتكون مستقراً له إن وقع ما يحوجه إلى فرار وفي يوم الواقعة، حين كان ركب خليفة مهدي الله يجد السير خروجاً من المدينة الجريحة، بعد أن مات عشرة آلاف مقاتل في ساعتين، كان ركب الشيخ إبراهيم ود الشواك، يقوده وكيل تجارته
الحسن الجريفاوي، يبعد مسيرة ساعات عن المسلمية. ما أن استقر بها حتى شرع يرسل الرسل إلى الجيش المصري الغازي، يتقصد بهم أسرى قدامي عاشوا ردحاً تحت وطأة أم درمان ثم فروا إلى مصر. ليعودوا فاتحين للمدينة التي سامتهم عذاب الأسر. وصل حبال وده سريعاً مع عدد من القادة وحصل منهم على وعود بالحفاظ على أمواله وأعماله ما استطاعوا إلى حين عودته إلى العاصمة. لكنهم نصحوه أن يؤجل تلك العودة حتى تستقر الأوضاع ويُعلم يقيناً الموالي من العدو. ومقابل ذلك تنازل عن بعض جنائنه وقدر من الأموال المخبأة في أم درمان لأولئك مع تقرير عن أموال وأسلحة لعدد من الأمراء الهاربين أو القادة الموتى يعلم أين أخفيت.
استقر به المقام في المسلمية منتظراً رسول الأمان أن يأتيه. وشغل نفسه بمد جناح تجارته على أسواق المدينة، فرغم أنه قد جاوز السبعين من العمر لم تخفت لديه شهوة الربح ولا فتر حماس الكسب عنده كل يوم يبدأه بالأمل في صفقة يربحها، وخبر من ابنه لا يأتي، ورسول ببشره.
في يومه الأخير خرج يقصد السوق مع وكيله. كانا يتحادثان عما يجري في البلاد الشيخ الماكر كان يقول:
المصريون لن يذهبوا المهدية راحت لديهم سلاح كثير. سلاح كثير جداً. والناس لا يحبونهم، لكنهم يكرهون الخليفة. إنها أيام النصارى أقوياء ومتعلمون أم درمان مدينة عجيبة. لكنها انتهت أم درمان راحت. المصريون والنصارى نقلوا الناس إلى الخرطوم مرة أخرى عمروا الحكمدارية القديمة
ووضعوا قوانين لكل شيء. يجب أن نعتاد على ذلك.
وكيله، الحسن الجريفاوي كان يسمع ويهز راسه لو علم انها آخر أحاديثه مع الشيخ لقال له أشياء كثيره لكنه ما كان يعرف.
لذلك هز رأسه موافقاً الشيخ حين قال له:
لو كان لزاماً علينا أن نلبس طربوش النصارى ونغير لون جلودنا فلنفعل المهدية راحت يا ولدي هذا أمر الله.
أوجعه القول لكنه تصنع الموافقة ثم تراجع ليلحق بالبضاعة المنتظرة في مخازنها لتُحمل إلى السوق. لكنه في نهاية الشارع سمع الصراخ
بخيت كان يجلس مختبياً أسفل ،جدار، مدارياً وجهه بالعمامة المتسخة، وتحت يده سيفه اليتيم الوكيل يهز رأسه موافقاً. ثم يترك الشيخ ويمضي يقترب ود الشواك من مجلس بخيت عجوز سبعيني، قصير يرتدي جبة وقميصاً من القطن وسراولاً، وعلى راسه عمامة تفوح منها رائحة الدهن.
يبتسم كأنما تنتظره الحياة كلها.
عيناه تخترقان خصمه الذي يبحث عنه منذ أشهر. رابع الستة.
ها هو يا حواء
ها هو لا يمنعه عني نفوذ أو سلطان.
ينهض بخيت على مهل العالم كله خاو السماء تصيح به أن
يتقدم حواء.. أبنها العالم.
ماذا كنت قبلك وأين انتهيت حلمت أن لي قوة حلمت أن لي من الأمر شيء. إذا لمسحت عن عينيك كل الحزن، وجعلت الشمس تشرق من ابتسامتك.
حواء أنت لي الدنيا.
" هل ترين تلك النجمة؟ سأصعد إلى السقف ثم أطير نحوها. ساخطفها، وأسرق من القمر خيطاً، وأصنع لك حجلاً تضعينه حول ساقك "
تضحك. ثم تدعي الغضب.
اقترب من خصمه. يجر سيفه خلفه فيخط على التراب أثراً.
رفعه وصاح "لا إله إلا الله".
طار سوط الدم، وارتمى خطاً فنياً على الحائط
لم يجد الشيخ إبراهيم و الشواك وقتاً للدهشة. كان يتقدم ممثلاً جداً بالحياة والأحلام حين تلقاه السيف بغتة.
بخيت رفع السيف ثم هوى به على صدر الشيخ. ثم لوح بيده مرة أخرى ونزل بالسيف على بطنه ضربه ثمانية ضربات قبل أن يطعنه في صدره حين جذب السيف إلى الوراء سقط الشيخ إبراهيم متفجراً بالدم
سمع الصراخ نظر خلفه فراهم يأتون لم يتردد رفع جلبابه واندفع هارباً.
تاركاً الشيخ يتشحط في موته، والحسن الجريفاوي يقسم أن يثار منه في مرقده قرب أبو حراز ، غافلاً عمن يطاردونه، يسمع حصانه
يُخميم يتقلب حذراً.
يتذكر مريسيلة حين صارحها بخطته لم تعلق قامت عنه صامتة غابت وعادت تحمل خرقة لفتها على ريالات مجيدية وريالات أبو طيره وقروش مصرية. دلقتها بين يديه قالت سيعينك هذا على ما تطلب.
قلب النقود .بيده تأمل رسم النسر على ريالات أبوطيره. تمنى لو يقدر أن يرفض لكنه بدون مساعدة مريسيلة ضائع في الظلام. إنها مدخراتك!
لمن أنخرها؟ أنا لا احتاجها. أنا فقط لم أعرف قيم الفقها.
خذها وأكمل جنونك.
حين أصبحت المدينة جاءته بالعسكري فرج الله تقوده من ذراعه قالت انه سيوفر له بندقية رامنتون وسيفا بسعر معقول.
فرح الله كان مذعوراً. يتلفت ويتكلم همساً.
اعرف شخصاً لم يُسلّم السلاح الذي علمه يمكن أن أكون
واسطتك عنده.
شتمته مريسيلة.
دع عنك الكذب يا خصي. أنت من يخفي السلاح.
دارت عينا العسكري رعباً.
أنا لا أغل. فقط صدف أني أعرف شخصاً فعل. هو مسكين لذلك لم أبلغ عنه هذه جريمة. لكنها ليست مثل إخفاء السلاح. من تعرف الحكومة أنه أخفى سلاحاً نارياً يُعاقب بقسوة.
ساله بخیتة لا وهذا المسكين بكم يبيعنا البندقية والسيف وما يكفي من البارود؟
ساومه على لسان الآخر المدعى ثم اتفقا على رضا.
حمحمة الحصان تتعالى.
جلب فرج الله البندقية والسيف والبارود، ووفرت مريسيلة عن طريق بعض النسوة، ثياباً وقماشاً.
رافقته، رغم اعتراضه إلى حواء، ثم حتى تخوم المدينة. وهما يسريان في الظلام أحسها شهية كمعصية.
رائحتها عطرة جسدها مشبع بدهن طيب. وبينهما ما لا يقال. صمتهما كان فاضحاً في ثرثرته.
حين نظر إليها قالت:
أعرف.
لم ترفع رأسها نحوم لكنها عرفت أنه ينظر إليها. أجابها:
ليس بيدي.
لم ترد ظلا يتبادلان صمتاً حميمياً حتى افترقا.
لماذا يحمحم الحصان؟ رفع جذعه ينظر لمح الخيال الأبيض جائماً هب مهاجماً جر سيفه وتقدم نحو الشبح الجالس قرب حصانه قطاع الطريق اليوم في كل مكان. تقدم حذراً أن يتنبه هدفه.
لكن البرد تلقاه إذ اقترب برد لطيف كالحلم الظلام حالك
لكن الجائم قرب حصانه مضئ كالقمر لما وقف فوقه أحس سكينة.
لم يرفع سيفه وقف مستسلماً للنعيم الذي يغشاه.
أيها الضوء الذي يملأ شراييني.
ماذا يملك ابن آدم من دنياه سوى محبة.
خذيني إليك.
لا تتركيني.
من الكافر الذي زعم أن الحبيبة تموت.
يشم رائحة المسك تملأ الكون.
رفعت رأسها .نحوه لونها الأبيض عيناها المشاغبتان تحملان حزناً دائماً أنفها المحبب وشفتاها كما اشتهاهما دوماً. ما غيرها الغياب مربكة تماماً كالحياة موجعة مثلها. ولا أمان لها كالنهر.
يلفها ضوء كقمر.
أنت هنا؟
أنا هنا يا بخيت.
آه يا حواء. اشتقتك.
استقامت واقفة. فارعة كما عهدها جسدها، دوماً، ريان يعاند
أيام بؤسها يحب لغتها العربية تتكلم السودانية بطلاقة تشوبها لكنة طفولية.
حرف جيمها معطّش بلطف أسر وكلماتها سريعة تنطقها بخفة كانما تتكفا في سنوات سجنه السبع كانت تأتي كثيراً. تعبر فناء السجن ليلاً لتقف عند باب الغرفة التي ينام فيها تلتصق بشقوق الباب وتنظر إليه. يزحف حتى يلتصق بالضفة الأخرى من الباب. يحادثها حديثاً طويلاً. تداعبه وتتدلل تغضب وتصمت. تحكي وتهزل. يشم المسك
من شعرها البندقي.
من الكافر الذي زعم أن الحرية تموت؟
مريسيلة لم تكن تعرف هذه الزيارات. لكنها كانت تقول رجماً
بغيب بنت النصارى شيطان. لو فتحنا قبرها لوجدناه فارغاً لابد أنها تمشي في الخلاء تحت القمر تفتن المسافرين وتحملهم إلى أرض سقط لقط.
لا شيء يقوله يمكن أن يهز هذه القناعة عند مريسيلة.
تقول: أنا أعلم الناس بهذا. هل نسيت بنت من أنا؟ خالي الذي خطفه الجن. وبسحر كهذا جاءت بي أمي إلى الدنيا. وأنت كامي.
ستودي بك اللوثة ستموت. يجب أن تقيّد بالسلاسل إلى قبة
المهدي حتى تشفى.
يمشي مع حواء فوق رمال ناعمة لا قمر في السماء لكن ظليهما على الأرض يتعانقان
يقول لها:
لم أحضر تلك هدية تسعدك.
تبتسم في صمت.
يحكي لها ما فعله يحدثها عما ينوي فعله.
لا تفعل يا بخيت أرجوك.
لا أقدر ألا أفعل يا حواء هذا حقك علي.
لن تسعدني. ستموت عبثاً.
لا يهتم.
سأموت وأنا أحاول أن اسعدك.
لا شيء تفعله سيسعدني. ليس هذا بيدك للأسف.
يقطب جبينه يرفض ما تقول هي دوما تريده أمناً، غير مشغول بها هي دوماً تحرضه ألا يسجنها في اهتمامه.
عش حياتك يا بخيت عشها لأجلي. لأجل خاطري.
أي حياة تلك التي أعيشها وأنا مثقل بدينك؟
لست مديناً لي.
مدين أنا بما عرفته معك من سعادة.
يمشيان قدماً. الكون كله ممتد أمامهما.
تمنيت لو أسعدتك أنا ما وهبتك إلا حزناً.
يقول في عناد:
كنت سعيداً. وسأموت وأنا أحاول أن أرد دينك. سأسعدك.
كالعادة متأخر. فات الأوان. لا شيء يسعدني الان
لماذا قدره أن يجي بعد قوات الأوان.
أحزانها تسبقه دوماً.
كلما مشى إليها رمحت بها الأحزان إن ركض نحوها فردت أحزانها أجنحة وحلقت بها.
بينهما، طول الوقت مسافة من حزن ملتهب فيها كبا فرس
شقه.
ساذهب الآن.
لا تذهبي. انتظري.
لابد أن أفعل.
يسمع حمحمة حصانه تركاه خلفهما مسافة عمر كامل. لكن صوته الأن قريب هل استدارت بهما الأرض حتى رجعا إلى
حيث انطلقا؟
وقف مرغماً ومئت هي.
يا حواء نظرت إليه شردت كلماته كسرب قمري أهاجه صائد. صمت محتاراً.
قالت له وهي تغوص في الغياب
تعرف لم أحب اسم حواء إلا منك. أحببته أكثر من اسمي
الحقيقي.ثم من أي بلاء يسكنها ملائكة أنت؟ "
ثيودورا ليست من هنا.
إنها من بلاد بعيدة وهي في البلاد البعيدة غريبة تنتمي إلى بلاد أبعد.
ولدت ثيودورا في مدينة الإسكندرية، أسفل مصر. أما والداها فجاءا من وراء البحر.
لم تر بلاد اليونان التي جاء منها والداها قط. أندرياس
اليفتيريوس هاجر عبر المتوسط بعد ثورة اليونان، عام 1862 على ملكهم أوتو الأول.
كان رجلاً محافظاً، مؤمناً بقداسة العرش. ساءته الثورة التي
أجبرت الملك على التنحي لإبنه وما فهم قط عواصف السياسة
التي منحت البرلمان سلطات أكثر على حساب الملك. حاول لسنتين أو ثلاث بعد الثورة أن يتعايش مع الحياة الجديدة، ومع ما قيل له إنه الحرية. لكنه فشل فجر زوجته الحسناء لاسكارينا إليفثيريوس وإبنيه وقصد إلى مصر، عاقداً العزم ألا يعود.
على الشط الآخر من بلاده غرس جذوره عمل في البوستة الأوروبية، واستقرت أحواله. وولدت له ثيودورا وهو من الرضى في غاية المطلب، هاننا بأسرته الصغيرة وعمله، وكسوة العاملين. ورثت عنه الفتاة طول القامة ولون شعرها البندقي سوى ذلك كانت صورة عن أمها لاسكارينا الحسناء. عيناها واسعتان كبحيرة عسل أنفها به طول محبب وشفتاها وحشيتان طالما أقلقناه.
دللها وإيناه وزوجته ودللتها معهم مدينة البحر. لكن قلقه من شفتيها لم يخب. الاسكارينا الحسناء كانت هي من اقترحت أن تنذر ليومورا للرب. أندرياس اليفثيريوس لم يكن أرثوذكسياً متديناً رغم أنه محافظ لكن الفكرة راقته لن ينتظر أن يحفظ الرب شفتي ابنته وهي في البيت خلف نادي محمد علي بل سيذهب بها إليه، في بيته قال لزوجته:
هكذا لن يتجاهلها الرب.
يسألها بخيت منديل متعجباً:
ماذا جاء بك إلى هذه البلاد؟
تسم حزناً الرب يقدر
يتلفت فزعاً ويهتف بها:
لا تتحدثي كالنصارى كلمة كهذه يمكن أن تعلقك على مشنقة
السوق.
ترسل بصرها إلى المشنقة التي أشار إليها. تسأله شاردة:
لماذا استبدلوا المشنقة بضرب العنق؟
لا يفهم مزاجها تتسرب بين الحكايات كغزال الخلاء. يهش عن شفتيه الذباب اللحوح. كانا يجلسان في سوق الخضار. قرب نصبة إدريس النوباوي.
لا أعرف. سألت سعد الله الجزار الذي كان ينفذ الأحكام فلم
يعرف قال ان الأمر جاء من سيدي خليفة المهدي بذلك.
تهز رأسها وتقول فجاة لكنهم إن أرادوا شنقي ستنقذني يا بخيت. أليس كذلك؟
يقول بحرارة
سافعل ما لا يفعل الأحميك
لماذا؟
نعم ؟
لماذا؟ لماذا ستفعل ما لا يُفعل لتحميني.
يرتج، وتضيع منه الكلمات. تنتظر اجابته وهي مطرقة ترمي
نظراتها الحزينة على الأرض.
لأني اهتم.
أنت أخي الأسود.
لا يعرف أن هناك أخاً يحس اخته كما يحسها. لكنه لا يعترض. تعود فجأة إلى حيث نفرت ليس من عادتها أن تحكي عن ماضيها. لكنها تقول:
جئت لأخدم الرب وأنشر كلمته.
يتخيلها مثل الجهادية الذين يحملون رايات المهدي لينشروا كلمة الله ذهب تحت إحدى هذه الرايات الناشرة كلمة الله في الديار المصرية، لكن الراية انكسرت ووقع هو أسيراً.
رشحوني لمرافقة بعثة تبشير لأخدم الجالية اليونانية في الخرطوم كانت بعثة كاثوليكية أرثوذكسية.
رأت في عينيه عدم الفهم. قالت محاولة الشرح
الكاثوليك والأرثوذكس مثل المذاهب عندكم تعرف مذهب
أبو حنيفة والمالكي والشافعي وأبو حنيل؟
لا. المهدية هي دين الله.
تميل برأسها ولا تجادله
ذهب الكاثوليك غرباً إلى مدينة أباضة وبقينا نحن في الخرطوم .
ماذا؟
يضحك
مدينة الأبيض، لا أباضة.
تقطب كالمغضبة
لا تضحك على اغلاطي.
أنا لا أضحك على اغلاطك.
بل تفعل.
يبتسم في حنو ويغوص في بحيرتي العسل بها طفولة فاتنة
رغم حزنها.
شعرها البندقي يتحدى خمارها ويسيل كالنهار المشرق. كيف
تحبس النهار المشرق داخل ستر قماش؟
عذابها ورقها لم يزيداها إلا فتنة.
كانها خلقت الحزن يكسوها جلالاً وفتنة، وحين تضحك يبدو عليها ندم، كأنما قارفت إثماً. ضحكتها لمعة مسروقة من خلف حوائط حزنها الحجرية.
ساقتل سيدك لتصبحي حرة.
انت طيب القلب. لو مات الشيخ سيرثني إبنه، أو يأخذني
بيت المال.
يقول في تحد.
لا حين مات سيدي في الخرطوم لم يرثني أحد، ولا أخذوني إلى بيت المال.
هو يعرف أن سيده لم يكن له ورثة ماتوا جميعاً حين دخل أجناد مهدي الله الخرطوم. وتُرك الرقيق أمثاله هانمین، منبتين سقطت عليه حريته بين مقتل الباشا غردون على ضفة النيل الشرقية وحكم خليفة مهدي الله على ضفة النيل الغربية. بينما السلطة تنتقل من خرطوم الترك إلى بقعة مهدي الله أم درمان تساقطت دواب الأرض
من شاكلته ، وما افتقدهم أحد.
ليسا سواء. يعرف ذلك. لكنه يكذب ليبعث فيها الأمل.
وجد نفسه حراً في بلد جديد. يولد إذ يولد. كلاهما ابن يومه ذاك.
فقرر أن يصبح مثل هذا البلد. يصنع نفسه. سيتعلم الحرية.
قذف في الحياة نفسه. جرب المهن كلها قطع أم درمان عاملاً، من أدناها إلى أقصاها كلما كبرت هي كانت شجرة حريته تزداد رسوخاً. وكالمدينة أصابه الجوع بما لم يحتسب. مات الذين يعمل معهم أولاً. ثم الذين يعمل لديهم بعدهم. ورأى الموت يتبختر حوله.
ينتظر منه غفلة قرر أن يفر. لن ينتظر الموت. سيهرب منه. كان يريد الحياة بقوة عمره بحسابه خمس سنوات عمر حريته.لن يموت.
لهذا حمل رمحه وذهب مع الجيش ليغزو الديار المصرية.
اختار الحرب.ليعيش.
الأب بولس هو من جهد في إقناع أندرياس إليفثيريوس أن
ترافقه ثيودورا إلى بلاد السودان.
موظف البوستة اليوناني كان قلقاً. قال للقسيس أنا لم اذهب بها للرب ليأخذها مني، بل ليحميها لي.
قال الأب بولس:
الرب يملكنا كلنا يا إليفتيريوس والبعثة ليست خطيرة. سنبقى في الخرطوم لعامين. اخوانك من اليونان هناك يحتاجون الإرشاد والخدمات والارسالية تحتاج مدرسة. ستعمل ثيودورا بالمدرسة حكمدار السودان محمد رؤوف باشا صديق لي سنكون في رعايته. والخرطوم بلد جميلة.
لا يأتي من هؤلاء البرابرة خير.
الخرطوم جل سكانها من الأوربيين والمصريين وقليل من أهل البلاد الأصدقاء. الحياة فيها لا تختلف عن أي مدينة أوروبية بها ذات الفضائل ونفس المعايب الخرطوم أوروبا
صغيرة لاسكارينا الحسناء أعانت الأب بولس في إقناع أندرياس القلق. ذكرته أن بعض بني عمومتهم يقيمون في الخرطوم منذ أعوام طويلة.
جالية اليونان كانت الأكبر في الخرطوم. يعملون في تجارة البقالة، والملابس الجاهزة، وأدوات المائدة، واللحوم والخضروات وتسليف النقود والتحويلات المالية.
أندرياس ما كان يجادل ليرفض ففي نهاية الأمر لا يمكن عصيان رغبة الأب بولس. لكنه جادل ليطمئن قلبه ظل ينطوي على جمرات خوف إلا أنه وافق.
نظر إلى ابنته الجالسة في الركن يحسد نفسه أن أنجب هذا الملاك. هادئة كأنها ليست هناك تلفها سكينة قديسين. تشبه أيقونات الكنائس. حتى ملامحها، رغم حسنها المنتمي إلى أمها بها مسحة من صور الشهيدات.
لابد أن أمها تكلمت بلسان الرب حين اقترحت ارسالها إلى
الكنيسة. يليق بها نور خدمة الرب لا يعرف أية أفكار تعتمل داخل رأسها الجميل، ولا ما لا تقوله الشفتان الساخنتان لكنه يرتاح إلى البهاء الكنسي الذي يكسوها.
الخرطوم ليست آخر العالم ستكون قديسته بندقية الشعر بخير.
هكذا خادعه الأمل.
صناً با شونورا ستذهبين إلى الخرطوم عبر النيل شرقاً.
الملخص الخامس من رواية شوق الدرويش :
المعلومات التي جلبتها مريسيلة قبل أشهر دقيقة كتقارير جواسيس النصارى استطاعت أن تعرف مكان كل صيد يطلبه بدقة. وجد الأربعة حيث أخبرته. وها هو في طريقه إلى الخامس. الطاهر جبريل ،طريدته، نزل ببلدة أبو حراز، شمال ملتقى نهر الرهد ببحر النيل الأزرق، قبل ثمانية أشهر. قفل إليها من القضارف ليذوب وسط سكانها.
سينزل به الموت كما نزل بمن سبقه. تردد قليل أصابه قبل أسابيع بعد أن قتل موسى الكلس يومها احس انه ينتمي إلى هذا العالم ربما هذا الوجود مكانه برق قلبه للبشر. تشعر روحه بالخوف يضطرب تفكيره بالناس لكنه سريعاً عاد إلى عالمه. عالمها ذلك الوجود الذي ليس فيه سواه وحواء ربما يشم رائحة مريسيلة هناك قد تراها حواء في عينيه. ستغار على عرشها في قلبه. لكنها ستقول له انها لا تهتم من حقه أن يحب أخرى. متحرضه، كاذبة، أن يحب أن يتزوج فتاة سوداء مثله، تنتمي إلى عالمه لكن كيف يقبل الدرويش ترك حلقة الذكر؟ انه فيها يتوحد مع الله يذوب في المطلق فيكون وجوده حقيقة يرتفع من عالم الأشباح والصور إلى مدارج الجوهر الفرد.لن أنزل من الجنة كابي آدم.
نظر إلى السماء رأى جماعات من العقبان تدور. تحلق على ارتفاع منخفض وهي تصيح نقيضاً ثم تهوي منقضة خلف تبة بعيدة. فكر انها قد تكون جيفة. الخلاء هنا ملئ بالنعام ربما كان صيداً.
ثنى بخيت حصانه ناحية التبة نزل وادياً منخفضاً ثم صعد.
وقف أعلى التبة ونظر.
العقبان تنهش أربع جثث ملقاه تحت الشمس. تقدم عجلاً وتناول بندقيته أطلقها مرة فتشتت جمع الكواسر الجاثم على الجثث.
أطلقها مرة ثانية فزعقت الطيور في السماء وهاجت. توتر متوقعاً أن تهاجمه لكنها صيحت ثم ولت مبتعدة انحدر مسرعاً نحو الجثث.
سمع حواء تصرخ به
ماذا تفعل؟ انهم موتى.
هلف معتذراً:
أبحث عن أسلاب تركها من قتلوهم
سمع صوتها تقول في اشمئزاز
لكنهم موتى ستسرقهم؟
لم يعقب أنت لا تفهمين هذا العالم القاسي يا حواء وصل إلى أولى الجثث رجل جففته الشمس تماما وثقبته العقبان يرتدي جبة قذرة، مرقعة بشرائط من القطن ذي الألوان المتعددة ميّز مع أثر العقبان نخر الرصاص. فتشه سريعاً. لم يترك قتلته شيئاً. حتى قدماه حافيتان انتقل إلى الثاني. لا شئ هو كسابقه. غير أن العقبان كانت أكثر رحمة به لم تأكل سوى جزءاً من خده ونهشت إصبعين. حين حرك الثالث عثر تحته على جراب جلد صغير لونه كلون الرمال. ربما لهذا أفلت من القتلة فتحه فوجد بعض ريالات.
76
الرابع فما عثر على شيء. لكنه رأى آثار قيود المكية مطبوعة على الجلد اليابس. ابتسم.
هذا رجل آخر نزل ضيفاً على سجن الساير. ربما لولا ما فعلته العقبان والشمس بملامحه لعرفه قلة محظوظة من الناس من لم تنزل بالساير في السنوات الماضية. لقد عرف داخل السجن أضعاف من عرفهم في حياته خارجه. والتقى داخله بجل من عرفهم خارجه تسلق التبة. قرر أن يعسكر قليلاً أهال شيئاً من رمل على الجثث؛ فكانت كدفن. ثم سحق بعض اللحم المجفف الذي ابتاعه من إحدى القرى. وأوقد النار لطهيه.
بينما يأكل سمعها تسأله:
كيف هو قتل الثار يا بخيت؟
مسح شفتيه بظهر كفه
كالحياة.
صمت هنيهة ثم شرح تحس القوة. تمتلئ بالحياة، وتطير يصبح جسدك خفيفاً ،
حتى توشك أن تحلق هو كخير لم يصنعها بشر وما ذاقها لسان نشوتها تحملني إلى النجوم. تحملني إليك.
77
أهو أحلى من الحب؟
انتفض بخيت
هو الحب.
حين فرغ من الطعام تناول خنجره وقربه من صدره. أغمض عينيه تشمم رائحة حواء المنعشة. قال مستغيثاً:
يا مهدي الله ! ثم غرس الخنجر في صدره.
في دفترها قرا لا تحب بعنف لأنك ستتألم بعنف. لا تحب كي تخرج سالماً لا لك ولا عليك.
78
الطاهر جبريل اسم عرفه كثر في أم درمان. كان أحد مقاتلي قوات الملازمين التابعة لعثمان شيخ الدين ابن خليفة مهدي الله.. جاء مهاجراً إلى بقعة المهدي الطاهرة، أم درمان بعد انتقال المهدي إلى السماء لكنه شق طريقه مظهراً صدق الولاء. ففاق من سبقه إلى الدرب ما كان غنيًّا، ولا له من الذكاء ما يشهره. لكنه عُرف بالاخلاص كان إن بلغه أمر عن أميره سار عليه لا يلتفت شعاره و دثاره قول الله: يايها الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الأتي منكم . وحكت عنه المدينة أنه وهو يتجهز للخروج إلى جهادٍ قال له صاحب "كتب الله لك السلامة"، فخاصمه إلى قاضي الإسلام محتجاً عليه أن المهدي ما طلب لأحبابه السلامة، بل أمرهم بالجهاد أو الاستشهاد.
حين وقعت الواقعة، وفر كل مؤمن عن مدينة المهدي بعد أن لوثها الغزاة خرج الطاهر إلى مدينة القضارف حيث زوجته الثالثة. لجا إلى أهلها فأووه. بقي بينهم شهراً، ثم ضاقوا بخلافات زوجتيه مع ابنتهم فخيروه بين رحيله أو رحيلهن. غضب وطلقها لهم. ثم خرج بزوجتيه وعياله إلى ابوحراز سكنها متهيناً لانتقال يؤمن أنه واقع. وبقي يترقب بين بيته والمسجد أن يُحدث الله أمراً. وبعد ثمانية أشهر من الترقب أحدث الله له أمراً.
79
دخل بخيت منديل البلدة ملقى على الحصان. كان يرتدي جبة قذرة مرقعة بشرائط من القطن ذي الألوان المتعددة، تخرمها ثقوب كثيرة وتغطيها بقع دماء واسعة على وجهه ورأسه تراب ورمل كمن بعث من قبر. تلقاه الناس بذهول لكنه لم يكن ينطق إلا ليردد اسماً واحداً.
أنزله الأهالي عن حصانه تحت شجرة ثم حملوه مرة أخرى إلى بيت قريب تداعى الناس من كل مكان وقد شدهم الفضول. لم يستطع أحد فحصه كلما لمسوه أو ضجوا قربه هاج وتشنّج جسده وأخذ في النداء بالاسم الأوحد الذي لا ينطق غيره.
الطاهر جبريل.
تذكر بعض أنه يعرف صاحب الاسم. وتطوع غير واحد بالبحث عنه وجدوه في المسجد يقرأ القرآن جاء الطاهر، الذي لا يعرف انه سيموت بعد يومين يجري مذهولاً من الجريح الذي يطلبه. وقف على رأسه يغالب دهشته لما ،فشل كغيره، في استنطاق العبد أو فحصه أعلن أنه سينقله إلى منزله.
حمل بخيت وهو يتأوه، وجراح صدره تشكو صدقاً سوء نقله. ساروا به زماناً قبل أن يضعوه على سرير خشب في بيت الطاهر جبريل
80
ظل يشخر ويردد اسم الطاهر مشدوها حيناً وصارخاً أحياناً
أخرى.
خلص مراقبوه إلى أنه مصاب أذهبت الصدمة عقله. ملوا مراقبة هذيانه فخرجوا عنه. يسمعهم في فناء البيت يتبادلون الاستنتاجات.
أكثرهم حيرة الطاهر جبريل يهذي ويصيح حتى انقضى اليوم ثم أقبل الليل والطاهر جبريل يدخل عليه كل حين متلصصاً ليجده على حاله من الصراخ والهمهمة باسمه. ما غفل بخيت ولا نام. يحرص أن يتقن دوره ويخشى غفلة تكشف مكره.
قرب الفجر أخذ صراخه يهدأ. وحين سمع الطاهر يتهيا لصلاة الصبح بدأ ينادي ماء.
دخل عليه الطاهر جبريل بعد وقت. فتح بخيت عينيه ليراه. لكن الظلام كان بعد هناك. ما ميّز غير هيكله العملاق كأول مرة رأه فيها. كرر في ذهول ليسمعه ماء
درع الطاهر جبريل يجلب له الماء فعب منه كثيراً. كان عطشاً بحق شرب بشغف ثم تمدد على السرير. أغمض عينيه متماوتاً.
81
ناداه الطاهر أكثر من مرة، ثم حوقل وخرج عنه سمع صوت مؤذن الفجر يدعو ابتسم في ظلام الغرفة وقرر أن يحصل على قليل من النوم.
استيقظ ظهراً بيد تلمس صدره. فتح عينيه ليرى الطاهر جبريل لأول مرة في ضوء النهار. هو كما تخيله تماماً. ضخم كبوابات سور أم درمان في أواخر الثلاثينات، داكن البشرة بأنفه فطس خفيف لا لحية له، لكن شاربه يسيل إلى ذقنه. يرتدي جلباباً تحته سروال واسع، وصندلاً جلدياً، على رأسه الضخم طاقية مطرزة يتدلى منها زر. حي كمن لن يموت. لكنه كان سيموت غداً.
حين ابتسم في وجه بخيت ضاقت عيناه وبرزت أسنانه
المصفوفة.
حمداً لله على سلامتك.
الجايه متغاية
أريد الطاهر جبريل.
أنا الطاهر جبريل. أأنت بخير؟
أغمض عينيه في راحة.
82
وجدتك أخيراً.
سأله الطاهر بقلق:
من أنت؟
لكنه لم يجبه. إنه لا يذكره. كأنه ما حمله ذنباً لا يغتفر. تظاهر بالنوم، انتظمت أنفاسه وخرجت ثقيلة من صدره الوقت مبكر على جر الطريدة للفخ.
ادعى النوم حتى غلبته سنة. أفاق منها على ضجة خافتة. نظر، فوجد الطاهر يضع قدحاً من طعام جواره. قام بفتور، فاسرع إليه الطاهر يعينه تأوه إذ تحرك جرح صدره. نظر إلى القدح فوجده مليئاً بالعصيدة شكر الطاهر أكل وشرب بعدها الكثير من النشا ليسترد عافيته التي يدعي فقدها. ثم أدخل عليه طريده الماء فاغتسل مكانه.
حين أوشك العصر على الذهاب كان مستعداً للحديث أزال ما عليه من ملامح رهق بعث من عينيه نظرة تجلد. جلس الطاهر جبريل قربه على السرير ضمتهما الغرفة الصغيرة المبنية بالطوب المحروق. سقفها عال من الخشب.
قال له:
هل يسمعنا أحد؟
83
الناس في الخارج ينتظرون خبرك.
اصرفهم، ما أحمله لك سر لا يطلع عليه غيرك.
تردد الطاهر. فقال له بخيت
انما جنتك في شان الله.
قام عنه وخرج سمعه يصرف الناس ويعدهم أن يلتقيهم في
المسجد.
ميت يضرب موعداً ما أغفله
أنا الموت يا جاهلي عندي تنتهي المواعيد.
عاد إليه وأحكم غلق الباب.
جنگ رسولاً من الأبيض أنصار الله يجتمعون وخليفة
مهدي الله ذكرك بالاسم.
شهق الطاهر فرحاً.
سيدي خليفة مهدي الله.
مدحك له الأمراء فطلبك.
الطاهر يرجف من فرح البشارة.
84
أعاقتي لصوص أن أقدم عليك مبكراً. الآن ليس لدينا وقت للبقاء. هل تقدر أن تنطلق معي، سراً، بعد الغروب؟
لا شيء يؤخرني عن دعوة سيدي الخليفة.
ساله
این حصاني؟
ساجلبه، ومعه حصاني وبعض حاجيات. وننطلق حين تقدر أنا مثلك ما كنت لأتأخر عن دعوة سيدي الخليفة اجلب الحصانين ولننطلق مع غروب الشمس. احمل لنا بعض الدقيق والسمن والتمر والماء. لا تُكثر فإني أخفيت بعض زادي تحت شجرة كاكموت وحيدة شرق البلدة، ولي رفاق
سنلتقيهم على مسيرة أيام قليلة معهم كل ما نريد.
هل نحن كثير ؟
ما يكفي لدحر الكفرة.
قفز الطاهر عجلاً. هرول يحفه فرح المؤمن الجنة تدعوه. وسيد الخلق خليفة مهدي الله يذكره أحضر البخيت ثياباً ظن أنها تناسبه لكن بخيت حين جربها ضاع في ثناياها تركها وعاد إلى جبته الممزقة. أخذ منها عمامة أحكمها على رأسه وترك طرفها منسدلاً على كتفه الأيسر. انتظر وقتاً قصيراً حتى عاد الطاهرجبريل منهيناً. قال معتذراً
85
أخبرت زوجتي أني مسافر. وأوصيتهما أن تقصدا جاراً لي إن أحوجتهما الدنيا إلى شيء لم أخالف بهذا سر خروجنا أليس كذلك؟
لم تفعل لكن يحسن بنا المبادرة قبل أن تشيعا سرنا بطبع
النساء.بعد الغروب بدقائق تغطى بخيت ورفيقه الطاهر بستر الظلام الرقيق خروجاً من البلدة قاده الطاهر عبر شوارع خالية وطرقات جانبية يعبر أبو حراز للمرة الأخيرة على أسطح البيوت تقف الغربان ترقب خروجه الذي لا عودة منه لم يصادفهما إلا بعض نسوة يعبرن شارعاً فزعات بخيت أحكم طرف عمامته المرسل على وجهه فلم تبد منه غير عينيه المتوثبتين.
حين تركا البيوت خلفهما سأل:
أين الطريق إلى شجرة الكاكموت التي حدثتك عنها؟
نحن في طريقنا إليها يا بشارة الخير.
سارا ساعتين تحت النجوم وقمر يجاهد السحب. رأى بخيت شبح الكاكموت يظهر أمامهما شامخاً. وصلا تحتها. نزل وهو يحكم قبضته على رسن حصانه مال على الأرض نابشاً بـ بيده الطليقة.
86
تراجع فزعاً وصاح.
يا مهدي الله !!
جفل الطاهر وهتف به
ماذا هناك.
تراجع متوتراً.
انزل لتراه ليحفظنا الله.
قفز الطاهر عن حصانه وهرع نحو جذع الشجرة الغليظ مال على البقعة التي نبشها بخيت ما رأى شيئاً مد يده حذراً يتلمس.
لا شيء.
رفع راسه عجباً وهتف برفيقه
لا شيء هناك. مالك؟
سمعه يصرخ فيه:
وقعت أيها الكلب.
هجم عليه. ما ميّز شيئاً من الظلام والذهول. قيده بجسده، وتلقى ضرباته على وجهه ورأسه حتى نزف. أمسك بخيت رأسه وخبط
به جزع الكاكموت مرات. شخر الطاهر جبريل. حاول أن ينهض بخصمه الجاثم فوقه. لكن قدماه ما أطاعتاه تهاوى وهو يصرخ لا تقتلني! لا تقتلني!
87
وغاص وجهه في الرمل.
أنا الموت.
لا راد لي.
هل للكرونني؟
أفاق الطاهر جبريل والشمس تلسعه.
حاول أن يعتدل فعرف أنه مقيد. يداه مكبلتان بعمامته خلف ظهره. وقدماه تحته مثلهما. كان عارياً إلا من سروال قصير سرح بصره ما قدر ملقى في وادٍ رملي بين تبتين. أمامه ما يبدو قبراً رملياً مرتجلاً تبرز منه قدم جافة ككسرة خبز. نادى يا أهل الله !!
لم يجبه أحد عرقه يسيل على وجهه. يرقص بقدميه فيثير غباراً. يحاول عبثاً أن يجلس يكرر النداء الشمس تنخره بحرارتها. ينادي خائفاً
يا أهل الله !!
يحس حركة خلفه. ينتفض خشية أن يهاجمه أحد ثانية. لكن بخيت يدور حوله حتى يقف أمامه لا يرى منه سوى قدميه المفلطحتين، مشققتين كطمي جاف. يرفع بصره فترده الشمس.
من أنت؟
يمسك به بخيت من شعره فيقيمه على ركبتيه يجلس أمامه.
هل عرفني؟
لا أذكر من أنت؟
يقطب بخيت
هل تذكر حواء؟
لم يعرف الطاهر ما يقصد محدثه هز رأسه قلقاً. ما كان يعرف الإجابة التي يظن أنها قد تطلق سراحه.
ذكره بخيت عبد القيوم بن الشيخ إبراهيم الشواك. النعيم ود الحاج طه الدليل.
بصيص من ذكرى يلمع في عيني العملاق المكتل.
كانت ليلة السابع والعشرين من رجب. هل تذكر؟
الكافرة.
صرخ بخيت
حواء أنشب أظافره في وجهه وهو يصرخ
قتلتها. أنت قتلتها أيها الكلب.
عوا الطاهر من الذعر بخيت يخنقه وهو يصرخ باسمها. لكنه يتدارك نفسه قبل ان تنزف روح خصمه كان مهتاجاً يسيل الزبد عن شفتيه.
كتلك الليلة حين حكى له النعيم
كان في بيت إدريس النوباوي يشرب المريسة. غاضباً على حواء وما قررته يلعنها ويلعن يونس ود جابر عسكري الجهادية. بقي يسكر يوماً وليلتين. يبكي خيانتها. قام مع الطاهر جبريل مجبراً ثم عاد إلى سكره. دخل عليه النعيم وهو لا يعي. حين أبلغه، مستخفاً، هاج. ليلتها رجفت المدينة، وصرخت معه النجوم.
90
أبنها السماء لأدكن بروجك.
سألتقط الكواكب وأرجم بها العالم.
سقط الطاهر جبريل على وجهه يبكي مذهولاً. وجلس بخيت يلهث جواره غضباً.
الطاهر يبكي متمتماً بما لم يتبينه. رفع عن الأرض وجهه. التراب يخرج من فمه إذ يتحدث.
لو فكيف إذا أصبتهم نصبَةٌ بمَا قَدَّمَتْ أيديهم ثم جاء ولد يخلِفونَ بِاللَّهِ إنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسنا وتوفيقا .
كان يرددها بلا توقف تخرج مختلطة بدموعه. لم يرث له
تغني آيات الله اليوم. بخيت ماذا
جذبه من شاربه الضخم فانتبه له الطاهر جبريل
قرب وجهه منه، قال بوحشية
أظن القاتل أن لن يقدر عليه أحد؟
الطاهر جبريل كان يتذكر جيداً الآن. كان يعرف انه سيدفع ثمن تلك الليلة.
لا مفر.
الملخص السادس والأخير من رواية شوق الدرويش :
لكمه بعنف سقط الطاهر جبريل على ظهره يرجف داس بخيت على عنقه بقدمه وصاح:
يا قاتل يلمع الخوف في عيني الطاهر جبريل كبرق عاصف. عيناه رطبتان بالدمع المحتقن.
ليغفر الله لي ليغفر الله لي يوجعه بخيت بقدمه ويقول من بين أسنانه:
لا غفر الله لك. أنت قاتل.
لا رأفة بقاتل تخضبه الدماء الدماء لا يسكنها إلا دم. ليس لقاتل توبة من يخرق أمان الله للنفس ليس له إلا العذاب.
ذبحه فارتاحا.
جز أولاً أصابعه بالسيف واحداً بعد الآخر يصرخ الطاهر يالله !! خذ مني حتى ترضى.
قطع أصابعه واحداً بعد واحد سال دمه حتى أغرق الأرض. ظل يهذي بلا توقف يستغفر متعثراً حتى بدأ يغيب عن الوعي حيناً ويفيق لونه صار شاحباً جسده يرجف. كلماته مختلطة غير مفهومة رماه بخيت على الأرض وجلس قربه يلهث. صب على جراحه الرمل الساخن. وحين بدأ يئن كبعير، ذبحه. ترك الجثة مكانها وسط طوفان دماء لزجة ملقاة على وجهها فوق الرمال، حولها تتناثر عشرة أصابع أسرج الحصانين وأوشك على المغادرة حين أحاطوا به هم بانتزاع سيفه لكن رماحهم وضعت على عنقه.
وهو يرخي ذراعيه مستسلماً سمع الصوت يقول له:
عاهدت الله ومعلمي أن لا أفلتك. إن كنت هارباً فأنا القدر يا
هذا. والقدر لا يُفلت صيده. قيدوا يديه بالجنزير، وحول قدميه ربطوا حيلاً من ليف خشن. القوه تحت شجرة الكاكموت ونزلوا يتفقدون ضحيته. سمع الصراخ المذهول ما فعله كان وحشياً. حتى هو ما كان ليتحمل ما فعل لو لم يكن في سبيلها. حين كان يرى الإعدام في مشنقة السوق كان يرجع كارنب صغير يهرب من وحشية العالم إلى دفء حضورها. لكنه اليوم خلق جديد.صعدوا إليه مرة أخرى.
وقف الحسن الجريفاوي أمامه. ينظر إليه قاتل معلمه وكافله. وجهاً لوجه، أمامه.
طار سوط الدم، وارتمى خطاً قانياً على الحائط
لم يجد الشيخ إبراهيم ود الشواك وقتاً للدهشة. كان يتقدم
متلئاً جداً بالحياة والأحلام حين تلقاه السيف بغتة.
بخيت رفع السيف ثم هوى به على صدر الشيخ ثم لوح بيده مرة أخرى ونزل بالسيف على بطنه ضربه ثمانية ضربات قبل أن يطعنه في صدره. حين جذب السيف إلى الوراء سقط الشيخ إبراهيم منفجراً بالدم.
بلغت المطاردة، أخيراً، نهايتها الجنزير يحيط باليدين الملوثتين هدم الشيخ إبراهيم ود الشواك.
طارد الحسن الجريفاوي القاتل لشهور بلا فتور.
من اليوم الذي سقط فيه الشيخ إبراهيم عاهد نفسه ألا يرتاح دون الثار.لما تصدع ود الشواك تحت ضربات بخيت منديل فزع الحسن الجريفاوي. هرول سريعاً عائداً إلى سيده. احتشد الناس حول الجثة.أما القاتل فامتطى ذهول الجموع وهرب. أدرك وصرخ بعضهم.
جرى أناس خلفه لكن بخيت سبقهم وأفلت.
جزعت المسلمية كأنه الموت الأول في التاريخ.
التاجر العجوز الذي له أفضال على كل شخص هنا بأخلاقه الدمثه وحرصه على صلاة الجماعة ولين معشره. لماذا يُقتل في الشارع غيلة. بكاه الرجال والنساء، فقراء ومستورون وعلية الناس، و حيطان المدينة وتضعضعت شوارعها الترابية. أما الحسن الجريفاوي فامتلأ بالحنق. ولما كان الشيخ ود الشواك يدخل قبره ملتفاً بأكفان المحبة وقف الحسن يقسم أن ينتقم.
عبيداً واكترى دليلاً يتقفى به الأثر، وخرج يطلب بخيت منديل دخل خلفه مدناً وبات بقرى. لا يهديه إليه سوى الدليل وما جمع يقراء من أثر على وجه الأرض وفي من السحب.
وهاهي مسيرة الثار توقع القاتل بين أيديهم.
شتمه أحدهم حول بخيت نظره إليهم. تسعة مسلحون تبدو
عليهم الشراسة في أعينهم تعطش لدمه لا يخفى.
أمسك أحدهم جمته ورفع رأسه إلى أعلى.
ما اسمك يا عبد ؟
أجاب بتحدٍ. تقدم الحسن إليه. جلس أمامه.
سنسألك بعض أسئلة من الأفضل لك أن تجيب رحمة بك.
مزق احدهم جلبابه من الخلف رفع الحسن بصره ينظر إلى ماوراء دقائق من السكون ثم هوى السوط على ظهره ممزقاً
لحمه، ليعلم ما ينتظره إن كابر.
لماذا اعتديت على الشيخ إبراهيم؟
أنا قتلته كما ينبغي له.
أراد الحسن أن يخزيه،
طاشت ضرباتك. واستنقذناه من الموت. سيعيش لينكل بك.
ابتسم بخيت في استخفاف.
لقد ضربته بيقين لو نزل بجبل لنسفه يا ابن العرب
لم يكابر الحسن.
إلى ابن تهرب تقتل أكابر القوم وتظن أنك ستقر؟
أنا لست هارباً يا ابن العرب أنا الموت. مني يهرب الناس.
تبادل الرجال النظرات. قفذوا لبعضهم ابتسامات متوترة.
قال قائل منهم العبد مجنون أراح الحسن كفه على الأرض ومال ناحيته لسعته أنفاسه
من أرسلك؟
ما أرسلني أحد.
فمن حرّضك على فعلتك؟
هل يشي بها؟
هل يقول لهم ما لن يفهموه؟
نظر في عيني الحسن الجريفاوي بتحد. قرأ فيهما تفاهماً تاماً.
عينا الحسن مثله بهما ذات الحيرة وذات الشوق.
سيخبره حكايته.
قال أحدهم
فلنقتله هنا.
وافقه أكثر من واحد لكن الحسن نهرهم.
ليس هذا لنا سنرجع به إلى المسلمية. سنترك أمره للحكومة
تقرر ما تفعله به. أو لعبد القيوم ابن الشيخ إن أتي.
كرر بخيت اسم عبد القيوم وهو يبتسم. نظر إليه الحسن
متسائلاً ستنتظرونه طويلاً.
لم يكن يشعر بالخوف. كان يشعر بالضيق بقي له واحد. لم يدرك يونس بعد. أضاع فرصة قتله قبل أعوام في السجن. واليوم وقع في أيدي مطارديه قبل أن يدركه.
قال أحدهم:
لا فائدة من نقله ليس لقاتل رحمة. فلنقتله الآن.
ليس لقاتل رحمة. يعرف الحسن الجريفاوي ذلك جيداً. يعرفه العامان اللذان قضاهما هائماً في ذنبه من يوم شهر سيفه في المتمة. النسوة يصرخن الأطفال تمزقهم حوافر الخيول الرامحة. والرايات تخفق في سماء المدينة تطارده أشباحه فهرب منها بشغل نفسه بالعمل وكيلاً للشيخ إبراهيم ود الشواك.
صَفًّا كَأَنَّهُم يُنين رجع الحسن إلى أم درمان من الشرق. يكلله غبار الجهاد. راض كمؤمن يتقلب في الجنة. لا عبادة تعدل ساعة ثبات في الصف. وإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ مرصوص . لكن أم درمان حزينة كالحة يطللها العناء. تتخبط في مشيها تنحني في مجلسها. يعصف بها الخوف.
أين تلك المدينة التي أسسها مهدى الله واختارها مدفناً له. ما عاد فيها وهج الإيمان لم يحبها كرهها رغماً عنه. وتحرق للخروج عنها الظلم كما كرهه في كركوج. لكن قلبه يخشى أن يقول ذلك. إن شك في عدالة ما يرى فقد كفر ألم يقل مهدي الله عليه السلام عن سيدي الخليفة واعلموا أن جميع أفعاله وأحكامه محمولة على الصواب لأنه أوتي الحكمة وفصل الخطاب ولو كان حكمه على قتل نفس منكم أو سلب أموالكم فلا تعترضوا عليه فقد حكمه الله فيكم ليطهركم ويزكيكم من خبائث الدنيا لتصفى قلوبكم وتقبلوا إلى ربكم. ومن تكلم في حقه ولو بالكلام النفسي جزماً فقد خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين، ويُخشى عليه من الموت على سوء الخاتمة والعياذ بالله"
يجهد أن ينكر قلبه ما تراه عيناه، يكذب ما تسمعه أذناه. وحين يمر عند مشنقة السوق يقول الحيرته
العصاة نافذ فيهم أمر سيدي خليفة المهدي.
لكن قلبه، ذلك الذي أوصاه شيخه سلمان ود حمد الدويحي أن يتبعه، لا يهدأ. يصيح به أن يفر يستغفر ربه. يبعث لشيخه المعذرة. ولا يفر.
واليوم بين يديه قاتل لا يعرف ما يفعل به.
" إنت يا شقي في شان الله تلقى الدم تخرج بالذنب فتلقاك يد الله بالراحة "لما جاءت به أمه للشيخ سلمان ود حمد الدويحي لم تطلب منه سوى شيئاً واحداً.
يا سيدي اسألك لوحيدي الحسن عمراً طويلاً كمجاري البحور تركته في مسيد الشيخ وذهبت موهوب الله. ضمه الشيخ بمحبته.
في سلك الصبية انخرط ليلقى الجنة.
الشيخ سلمان قال لأمه:
كله عند الله مكتوب ومجرى البحور بقدر مسطور.
يحمل الحسن الجريفاوي لوح الكتابة ويجلس بين صبيان الفقرا. بهتر مرتلاً وقد مكر الذين من قلهم ناف الله بيتهم من القوايد مطر عليهم الشعف من قوقهم وانتهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ). يبسم الشيخ سلمان فترفرف الملائكة على ثغره. يقول لهم
هذه أشد آيات الله عسراً على قارئ « قد مكر « الولد الضكر. من أحسنها له عندي قضيب سكر في جراية الأسبوع.
الحسن صبي شديد له همة لا تفتر أبكر الحضور إلى ساحة
الحفظ. يكتب على لوحه بخط حسن مضلع حين ينام يرى نبي الله الخضر رجل ربعة وجهه بدر تمام. يشم منه ريحاً مثل ريح المسك الأذفر. يقوده من يده في زفّة خضراء. يوقفه عند بحر النيل. يريه في قبضته تراباً أحمر يمسحه على ثوب الحسن. يصحو منتشيا فرحاً. كلما رأه حكى لشيخه سلمان. يبتسم. يمسح على رأسه ويقول:
يرحمك الله يا ولدي.
رفاقه يحنقهم حنو الشيخ سلمان عليه. حين يجلس لحفظ القرآن يصفعونه من الخلف. يتلفت فلا يعرف فاعلاً كلهم منشغلون بالواحهم يكمل القراءة. فيُصفع مرة أخرى. يصرخ ويهجم على كل من خلفه. يُسقط ثلاثة. يوسعهم عضا ولكماً. يتكاثر عليه الصبية في هيئة مفرّقين. لكنهم يضربونه خفية يشده أحدهم من جلبابه القصير فيمزّق ظهره. يغرس أخر إصبعه في مؤخرته. يركلون ساقه فيسقط. يجرونه على التراب وهم يدعون الحجز بينه
و مخاصميه. يهتفون صلوا على النبي لا تضرب لا تضرب.
لكنهم يسحلونه على الأرض حتى طرف الساحة. يلقونه جوار خرابة الغائط ويرجعون عدواً.
تحتشد عيناه بالدموع. يصمم على الإنتقام. لكن شيخه سلمان ود حمد الدويحي يمسح عنه وسخ الأرض وغضب القلب. يقول له مبتسما:
من فش غبينته يا ولدي خربت مدينته.
يهديه الشيخ سلمان جلباباً جديداً. يفرح به الحسن ويزهو.
ویزید به حنق صبية الفقرا.
يبحث عن لوحه ولا يجده يهديه سوء الظن لتفتيش حاجيات رفاقه يعثر به أسفل الفروة التي ينام عليها حسونه
ترفع اللوح ويقول لزميله:
أنت لص.
يجيبه حسونه بوقاحه لست لصاً. قال خليل في المختصر اللقلة مال معلوم عرض للضياع. وإن كلباً وفرساً وحماراً". أنا لقيت لوحاً فأخذته.
تعلم أنه لوح حسونه كتفيه مستخفاً.
أنت كلب وحمار وابن فرسة. فمالك لقطة كما قال خليل. يضربه باللوح على رأسه، فيشجه ويحطّم اللوح. يصخب
الصبية وتتعالى العركة.
حين خرج مع الصبية إلى بحر الدندر لجلب الماء، سار وحده خلفهم حاملاً جرّة فخار. يتيحن من حسونه . غفلة. لم يخطط لذلك. لكن الغيظ في جوفه تعالى بخاره فجأة انحنى حسونه على الماء. قفز الحسن راكباً ظهره ووقع به في جوف النهر. صرخ الغلام.
خصيمك الرسول.
أمسك رأسه وحشره في الموج. يضربه الصبية ويجرونه عبثاً. في جسده عزيمة جعلته كجبل سجدي كتلة من الغرانيت الأحمر الصلب لا تهتز. يشهق حسونه تحت الماء وترتفع فقاعات الهواء. يقرقر الغلام في قبضته حين أيقن حسونه أنه ميت، وعرف الصبية أن الحسن قاتله فاستيأسوا رأوا الحمامة.
طارت بيضاء من لا مكان حتى نزلت على رأس الحسن وقفت عليه مطمئنة كأنما تسكن إلى عشها هدلت ثم طارت إلى حيث أتت خلفها طار غيظ الحسن وعزمه. وجد في قلبه سكينة وطمأنينة. أفلت خصمه وهوى جواره جلس يغطيه الماء حتى صدره يلهث حائراً. رفع حسونه راسه وشهق عميقاً يطلب الهواء. وقف صبيان الفقرا ذاهلين وحين وجد حسونه صوته صاح انت قاتل. أنت مجرم.
ثم قام بتخبط جرياً. تاركاً احسن الحيرته.
يحبسه الشيخ سلمان في بيته.
هذا خير لك.
يبكي شاعراً الظلم. يشكو لشيخه. فيقول له:
ليس في الناس خير يا ولدي. وأنت شقي. هنا خير لك من
معاشرة الفقرا.
يمسح دموعه ويقول مستبشراً:
ستكرمني بأن اخدمك يا سيدي؟
يضمه الشيخ سلمان في حنو ويقول:
انت خادمي وابني ولك في سيدي رسول الله وزيد بن حارثة أسوة يدخله الشيخ على حريمه يصفه بالمولود الذكر الذي لم يمنحه يعلمه العزلة. يقول له:
فعل أن يكون متغولاً على أمانة يقول لنفسه أنه أخذ الإذن غداً. ثم ينسى في غده ولا يذكر إلا حين ينهكه التعب في الطريق إلى كركوج.
يقبض أجرة النقل مضاعفة ويعتذر عن دعوات الطعام. لا يشرب إلا الماء فلا شبهة حرام فيه هو شركة بين المؤمنين.
ويسعد التجار بتقواه فيضاعفون أجر النقل ضعف الضعف. يسوء الحال كلما اجتاح عسكر الحكومة السوق يحصلون الجباية على بضائع التجار. ويقبضون ضريبة الدقنية ستين قرشاً عن كل رجل بالغ. يضطر الحسن أن ينقل على حمار شيخه النسوة القاصدات ضريح الشيخ محمد حجازي راجل كركوج يربط إليه عربة ويحملهن على مضض. غاضاً بصره، مقلاً في الرد. ينقبض الحسن من نقل النساء ويتحاشاهن ما استطاع. حفظت شبابه وصاة شیخه سلمان يا جريفاوي النساء نعمة يا جريفاوي النساء نقمة احب المرأتك فهي قرة العين. احذر المرأة فهي ضياع الدين.
امرأته التي يتمنى فاطمة بنت الشيخ سلمان صبية ما جاوزت التاسعة من عمرها فيها من أبيها حنوه عليه حفظت كتاب الله حتى جزء فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ : . حين تتلو تنزل الملائكة تلف نور تحمل إليه الطعام وتسأله عن مسائل الفقه وحواشي خليل يعنى النفس خطبتها، ثم يتصبر شهراً بعد شهر بلذة التمني حين أكلمت عامها الحادي عشر جرا على ذكرها لشيخه وعده خيراً وأجزله قبولاً، فتكاملت سعادة دنياه وسأل الله سعادة الآخرة.
ثالثهما السراج.
شیخه سلمان ود حمد الدويحي يضم عليه فركة من صوف يتقي زحف البرد يحكي له.
كنت مجاوراً سيدي الشيخ عبد المحمود. في ليلة سمعت منادياً أسمعه ولا أراه يقرأ وَ يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَأَحْكُم بَيْنَ الناس والحين ولا تبع الهوى فضلت من سبيل الوان الدين بضلون من سبيل اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شديد بما توا يوم الساب)، ففتح الله على من ذلك الوقت ما سُئلت عن مسألة إلا ظهرت لي م ثل الشمس.
يقول له:يا حسن إن صدق العبد ربه علمه ورفع عنه الحُجب يا حسن كن فرداً منزوعاً عن ذاته تتحقق بجوهر المعرفة.
![]() |
| قراءة رواية شوق الدرويش اون لاين |
