-->
استغفر الله العظيم و اتوب اليه

السيرة الذاتية للمطرب السوداني كمال ترباس

كمال ترباس هو اسم لامع في تاريخ الغناء السوداني الحديث، ويشتهر بتجديده للفن الشعبي وإدخال عناصر جديدة إليه. اسمه الكامل كمال إبراهيم سليمان، وُلد عام 1950 في حي «سيد المكي» بأم درمان وسط بيئة تضم قيادات سياسية (مثل إسماعيل الأزهري وعبد الله خليل) وفنانين (محمد أحمد سرور). بدأ تعلمه الديني في الكُتَّاب ثم التحق بمدارس الخرطوم، وعمل في النجارة منذ صغره مما أطلق عليه لقبه «ترباس» (أي القفل). وقد شجعه مدير مدرسته خالد أبو الروس بقوله: «إنت ما ح تبقى إلا فنان». لاحقًا انتقل إلى مدينة كسلا شرق السودان حيث برزت موهبته الغنائية بسرعة.

النشأة والتعليم

  • النشأة: نشأ ترباس في أم درمان بوسط ثقافي وسياسي غزير، مما أثرى تجربته وفتح أمامه الآفاق الفنية.

  • التعليم والعمل اليدوي: تلقى تعليمه الأولي في «الخلوة» والمدارس التقليدية، وعمل بالنجارة التي أتقنها فأخذ منه لقبه.

  • تشجيع مبكر: برز تعلقه بالغناء منذ طفولته على حساب الدراسة، وحضه معلموه على مواصلة الفن.

بداياته الفنية والنجاحات الأولى

  • نادي دار فلاح: بدأ ترباس مسيرته الفنية بالمشاركة في الأنشطة الموسيقية بنادي دار فلاح بأم درمان لتطوير الأغنية الشعبية، حيث تعلم حفظ القصائد ووضع الألحان.

  • الإذاعة السودانية: بعد محاولات عدة، نجح عام 1967 في إقناع لجنة النصوص بالسودان بموهبته. كانت أول أغنية إذاعية له بعنوان «عيني ما تبكي»، ثم توالت نجاحاته بأغنيات مشهورة مثل «أغالب دمعي واتصبر»، «ما تهتمو للأيام»، «الملاك»، «جاي تفتش الماضي».

  • أهم أغانيه: من أبرز أغانيه التي حققت انتشارًا واسعًا:

    • «عينِي ما تَبكي» (1967) – أولى أغانيه الإذاعية.

    • «أنت المهم» – كلمات الشاعر عبد العال السيد، وحازت لقب أفضل أغنية سودانية في 2009.

    • «جانا البايب» – من كلمات عثمان عوض، وهي من أشهر أعماله خارج السودان.

    • أغاني أخرى: («الصبيان جرو»، «أبوي»، «عز الجمر»، «وليد دارفور»، «الماضي» وغيرها).

أسلوبه الفني وإسهاماته

  • الأسلوب المميز: يُعرف ترباس بصوته الهادئ وإحساسه العميق في الغناء، وقد نال لقب «ملك الأغنية الشعبية» السودانية. يجمع فنه بين العراقة والتجديد: فقد أدخل نظام الجوقة (الكورال) إلى الأغنية الشعبية وأعاد استخدام آلات غربية حديثة، فنشأ ما يُسمى «الغناء الشعبي الحديث».

  • الأناقة والزي الوطني: يهتم ترباس بمظهره العام، فيرتدي الجلابية والعمامة البيضاء الفريدة التي أصبحت علامة مميزة له. وقد قال عن عمامته: «إنها تميّزني عن غيري حتى في جواز سفره استُثني لألتقط صورتي بها».

  • الكلمات والقصائد: يضع النص الغنائي في صميم عمله، فهو ينتقي كلمات ذات وقع قوي على الجمهور. ولا يكتفي بشاعر واحد بل غنى لمئات الشعراء منهم المعروفين (السر قدور، أزهري عوض الكريم، علي الكوباني وغيرهم). كما أعرب عن أهمية اختيار مداخل جاذبة للأغنية وحسَّ بها بنفسه.

  • التلحين والتطوير: بدأ في مجال التلحين بأغنية «نطق الاسم». شهد فنه تطورًا مستمرًا لأكثر من أربعة عقود، حيث تحوَّل تدريجيًّا من الأسلوب الحقيبي التقليدي إلى «غناء شعبي حديث» بتداخل الجوقة والصوت الفردي. وقد أعاد في أغنياته تنويع الإيقاعات والآلات الموسيقية، فأتاح بذلك جعل الحقيبة التقليدية أكثر سلاسة وسهولة بالسمع.

الدور النقابي والخيري

  • رئاسة الاتحاد: يتولى ترباس رئاسة اتحاد فن الغناء الشعبي في السودان منذ تأسيسه عام 1964. وتبعًا لذلك أسس الاتحاد «دار فلاح» عام 1968 لتدريب المواهب الصاعدة على الغناء الشعبي.

  • الأعمال الخيرية: يُعرف عنه أيضًا دعمه للمعوزين؛ فقد أنفق على تعليم الطلاب المحتاجين وساهم في رعاية الأسر الفقيرة ودور الأيتام في السودان. هذا النشاط الخيري عزَّ من مكانته كشخصية فنية مسؤولة اجتماعياً.

أشهر أغانيه ومؤلفاته

  • ألبومات وأغنيات: أصدر ترباس مجموعة من التسجيلات والألبومات التي تضم أعماله السابقة والجديدة. من أشهر أغانيه الغنائية أيضاً: «يا نسيم»، «نيل والقمر»، «حكاية ريد» وغيرها.

  • مركز دار كروما للموسيقى: في 1985 أسس ترباس «مركز دار كروما للموسيقى» تكريمًا للموسيقار عبد الكريم كروما، بهدف نشر الوعي الموسيقي والحفاظ على التراث الغنائي السوداني.

  • التعاونات الفنية: تعاون مع فنانين سودانيين كبار (محمد حسين حدباي، محمد بشير عتيق…) وشعرا ٍ عربياً، خاصة المشروع المشترك مع عبادي الجوهر ومحمد عبده الذي أعلن عنه لكسر الحواجز بين الأغنية السودانية والعربية.

الجوائز والتقدير

حصل ترباس على تقدير واسع لجودة أعماله، ومن أبرز الجوائز تكريم أغنية «أنت المهم» بأفضل أغنية سودانية عام 2009. كما كرمه الجمهور السوداني عدة مرات ومُنح ألقابًا فنية نظير مكانته الموسيقية (منها «ملك الأغنية الشعبية»). يشيد النقاد به على تجديده المسار الغنائي الشعبي وجماليته الراقية.

الحياة الشخصية والعائلية

لا توجد معلومات مفصلة متاحة عن زوجته أو أسماء أبنائه، لكن يُعرف أنه متزوج وله أبناء. ويُذكر أنه أب لابنة تزوجت حديثًا في القاهرة في مايو 2025، حيث أُقيم حفل زفاف وصفته الصحافة بـ«الأسطوري» بحضور المئات من المدعوين ومشاركة كبار المطربين. في ديسمبر 2024 احتفلت أسرته بعيد ميلاده في منزله بالقاهرة بعد شفائه من وعكة صحيّة، وحضرها عدد من الفنانين السودانيين الكبار (سمية حسن، حنان بلوبلو، عاصم البنا وغيره).

العلاقات المحلية والدولية

يرتبط كمال ترباس بعلاقات واسعة داخل الوسط الفني السوداني وخارجه. فقد عمل مع نجوم سودانيين مثل حسين شندي ومحمد الأمين وغيرهم. ويذكر أن الاحتفال بعيد ميلاده شهد حضور زملائه المقربين من الفنانين والموسيقيين. دوليًّا، أحيا حفلات خارج السودان، منها في الإمارات (أبوظبي)، وتعاون مع فنانين عرب كبار (كما أُشير في مشروعه مع عبادي الجوهر ومحمد عبده). أما على الصعيد السياسي، فقد أشار إلى أن علاقته مع النظام السابق كانت ودّية محدودة دون انتماء حزبي. هذه العلاقات المتنوعة تؤكد مكانته على الساحة الفنية محليًا وإقليميًا.

معلومات إضافية ونصائح فنية

  • الطلب المالي: يُعرف ترباس بأنه من أعلى الفنانين أجرًا في السودان؛ فقد أعلن في سبتمبر 2021 أنه سيرفع «عداد» أجر حفلاته إلى سبعة ملايين جنيه سوداني، مستندًا إلى وضعه المادي الجيد.

  • نصائحه: ينصح ترباس المغنّين الجدد بالتمهل في اختيار الأعمال الغنائية، والتركيز على جودة الكلمات والإحساس بها. أكد أنه لا يقبل أي نص إلا إذا «تذوقه وحسه»، ويشدد على أهمية المقدمات الجذابة للأغنيات.

  • توقعاته: يعمل حاليًا على مشروع فني كبير مع نجوم عرب (عبادي الجوهر ومحمد عبده) لكسر الحواجز النفسية تجاه الأغنية السودانية. ويتوقع النقاد أن تسهم هذه الخطوة في نشر الموسيقى السودانية في العالم العربي وتعزيز تفاعل الجمهور مع تراثه الغنائي.

تقييمات وآراء نقدية

يُشيد النقاد بتجديد ترباس للموسيقى الشعبية، إذ جعل الإيقاعات التقليدية أكثر سلاسة وسهولة استماع. في المقابل، أثار مظهره اهتمامًا وانتقادًا: فقد نبّه بعض أعضاء اتحاد الموسيقيين إلى رفض مظهره واصفين إياه بـ«التصرف المشين» بسبب عمامته وحضوره اللافت. عمومًا، يراه كثيرون فنانًا متكاملًا رصينًا ملتزمًا بقيمه الفنية والثقافية.

عوامل التميز والتحديات

  • عوامل النجاح: يُعزى تألق ترباس إلى صوته المميز وأساليب الغناء المبتكرة، وإلى تمسكه بالأصل السوداني في ملابسه وكلماته. كما ساعده عمله النقابي وتدريبه لمواهب جديدة، واهتمامه بالجودة النصية لحفلاته الغنائية.

  • التحديات: واجه ترباس صعوبات كغيره من الفنانين السودانيين، كقيود الحفلات وسياسة الرقابة. لم تكن النقاط التقنية (كالسلم الخماسي) عائقًا عنده، فبادر لاحتضان ألحان جديدة وفتح قنوات التعاون الخارجي لتجاوزها.

الحلول والاستراتيجيات

تجاوز ترباس قيود المشهد المحلي عبر التوسع في الأحادية (الغناء الإذاعي) والغناء في الخارج. كما تولَّى قيادة مؤسسة فنية (الاتحاد) لخدمة زملائه وتنمية المواهب. استثمار خبرته وشهرته سمح له بمواجهة التحديات الاجتماعية، فمثلاً اقترح تحويل مقرات الاتحاد إلى مشاريع تنموية بدلاً من تعطيل فنانيه. جهود وتوجيهات ترباس تؤكد على أن الصبر والإبداع والابتكار هي مفاتيح معالجة مشكلات الفن الشعبي.

خاتمة

إن السيرة الذاتية لكمال ترباس ترسم صورة فنان متعدد الأدوار: غنَّاء مبدع، وملحن مبتكر، وزعيم نقابي وخيري. مسيرته التي انطلقت عام 1967 ولا تزال مستمرة اليوم تمثل إرثًا فنيًّا عميقًا. يُعتبر ترباس رمزًا للغناء الشعبي السوداني الحديث، حتى نعتّه الصحافة بلقب «ملك الأغنية الشعبية»، وهو بذلك يجسد بوضوح تأثيره التاريخي على المشهد الموسيقي في السودان والعالم العربي.