-->
استغفر الله العظيم و اتوب اليه

معنى كلمة “برطع” في اللهجة السودانية وأصولها

كلمة “برطع” (أو “البرطعة” مصدرًا) هي مصطلح شائع في اللهجة السودانية للدلالة على الحركة الصاخبة والعشوائية. ففي المفهوم الشعبي، يُقال إن البرطعة تعني “الجري في الفضاء بلا قيود أو موانع”. بعبارة أخرى، تصف الحالة التي يركض فيها شخص أو حيوان بسرعة وتلقائية كاملة دون تنظيم – كأنما يركض دون أن يراقبه أحد أو يمنعه شيء. وفي هذا السياق تستخدم الكلمة مجازيًا لوصف الشخص المتمرد أو المشاغب الذي “يعمل كيفما شاء” دون مراعاة للضوابط الاجتماعية.

  • الجري العشوائي والانفلات: يُستخدم “برطع” للدلالة على الجري أو التنقّل بسرعة بصورة غير منظمة. مثلاً نقول في السوداني: ”ما تبرطع في الحوش، أسا نظفته” أي “لا تركض عشوائيًا في الساحة الآن بعد أن نظفتها”. ويتضح من ذلك الاستخدام أن “برطع” تعني الحركة المكثفة بلا تنسيق. في معجم اللهجة السودانية يرد: “برطع يعني جرى بطريقة غير منسقة وتستخدم لجري الحمار مثلاً”، مما يدل على شيوع الكلمة في وصف حركة الحيوان الهائجة (مثل الحمار) ثم توارثها لوصف سلوك الإنسان بنفس المعنى.

  • السلوك الصاخب والمشاغب: تطلق الكلمة أيضًا على الشخص شديد الحركة والمشاغبة، كالطفل المثير للإزعاج لكثرة انفعالاته. ويقال أيضًا إن صاحب “البرطع” يمكن أن يتصرف بلا خجل أو تقيّد، كما في التعليق الشعبي: ”فلان بعد أن أمسك زمام المسؤولية أصبح يبرطع فيها ساى” أي أصبح يفعل ما يشاء بحرية دون محاسبة.

  • الإنفاق غير المحسوب: من المفاهيم المرتبطة بـ “برطع” في بعض اللهجات العربية القريبة (مثل اللهجة الفلسطينية) المعنى بإنفاق المال دون حذر أو حساب. فقد ورد مثلاً في معجم عامي: “تَبرطع” تعني “أنفق المال بغير حساب”. وهذا الاستخدام ليس شائعًا في السودان بقدر سابقيه، لكنه يوضح امتداد الكلمة في الثقافات العربية ليشمل الإفراط بشكل عام.

باختصار، تخدم “برطع” في اللهجة السودانية لتعبر عن الفعل غير المنضبط والمفرط بلا ضوابط، سواء كان ذلك في الحركة الجسدية أو التصرف الاجتماعي أو حتى الإنفاق. وقد يُستخدم المصدر “البرطعة” للإشارة إلى حالة الانطلاق الحرّ هكذا.

السياق الثقافي والاجتماعي للكلمة

تُعد كلمة “برطع” جزءًا من الحراك اللغوي اليومي في السودان، وهي تحمل طابعًا شعبيًا يعكس ثقافة التعبير العامية. ينتشر استعمالها في المحادثات اليومية لوصف المشاهد اليومية، من هرولة الأطفال في الشوارع إلى سلوك المسؤولين في المرافق العامة. في كثير من الأحيان تُستخدم مجازياً في مناقشات الفساد أو الهيمنة؛ حيث يقال إن شخصًا ما “يبرطع” بمعنى أنه يتصرف بحرية تامة دون أي مساءلة من الآخرين. فالكاتب السوداني الفاتح جبرا مثلاً يشير إلى مصطلح “البرطعة” لوصف حالة انفلات السلطة: ”يبرطع فيها سااي أي أخذ يفعل ما بدا له بصورة حرة دون قيود أو موانع”. كما نسمع الكلام الشائع عن الطفل أو الشاب النشيط: ”دا راجل برطع، لا يقعد مكانه!” بمعنى أنه دائم الحركة والشغب بلا انضباط.

وفي المناسبات الترفيهية أو النقدية يمكن أن تظهر الكلمة في كلمات مفتاحية ساخرة أو إعلانية. مثلاً، في إعلان مرح يمكن أن تكون جملة مثل “عيش لحظات البرطعة والمرح مع لعبتنا الجديدة!” تستخدم للتأكيد على الحيوية والنشاط. هكذا يصبح لفظ “برطع” جزءًا من طابع الإعلان الثقافي السوداني، حيث يجذب الانتباه بتعبيره عن التمرد والحرية المبالغ فيها. ويكثف أصحاب الإعلانات استخدام الكلمة أو مشتقاتها لتكون شعارًا لمنتجات تتعلق بالنشاط والحركة، مصاحبًا أحيانًا بحروف ملفتة أو صور أطفال «يسبرطعون» في الفضاء المفتوح (نماذج الحركة واللعب).

الاشتقاقات والنظرية اللغوية

لغويًا، برطع فعل رباعي الجذر (الجذر المكون من أربعة أحرف) هو (ب-ر-ط-ع) كما يظهر في المعاجم المتخصصة. وفي العربية الفصحى الحديثة، يسجل بَرْطَع معناه “جرى جريًا سريعًا” أو “عدا كالخيول”. وهذا يؤكد أن الكلمة تراثيًا تدل على السرعة والانطلاق، وليست معاصرة بالعربي الفصيح. لذلك يُمكن القول إن أصلها العربي الفصيح يعني الجري السريع أو النفير، ثم انتقلت هذه الدلالة إلى اللهجة السودانية بمعنى أوسع لكل فعل سريع وفوضوي.

في اللهجة، تُشتق من برطع كلمات أخرى:

  • مصدرها “البرطعة” للدلالة على حالة الحرية المفرطة في الحركة.

  • اسم الفاعل “مبرطع” يُطلق على الشخص الذي يقوم بالبرطع (أي المُندفع جدًا في أفعاله).

  • صيغة المضارع “يبرطع” يستخدم للتعبير عن الاستمرار في الحركة العشوائية. مثال: ”هو يبرطع في السوق كل يوم” يعني ”هو يصول ويجول في السوق بلا توقف وبلا مبرر”.

  • صيغة الماضي “برطع” (للمفرد المذكر) مثل: ”فلان برطع في الحوش” بمعنى ”ركض في الحوش بلا انضباط”.

في جميع هذه الأشكال، يتصرف الجذر ب-ر-ط-ع كفعل رابع في العامية؛ فالساقط منه يعود على معنى الركض الفوضوي. والمهندس اللغوي يلاحظ أن هذه الإشتقاقات تنسجم مع فعل رباعي قانوني حيث تظل الدلالة الأساسية على السرعة والاضطراب دون تناسق.

الأمثلة والتوضيحات

  • ماتبرطع في الحوش، أسا نظفتوا” – تقول الأم لابنها بعد تنظيف الساحة، فتطلب منه عدم الركض العشوائي حاليًا.

  • الولد ده مبرطع شديد، لا يقدر يقعد مكانه” – واصفًا به شخصًا دائم الحركة ومثار المشاكل.

  • هذا المسؤول بقى بيبرطع في الشركة، ما في زول بيسألو” – على غرار المثال الشعبي، أي أنه يفعل ما يريد دون ردع أو مساءلة.

  • كمقابل ثقافي، قد تسمع جملة غريبة النمط “عامل برطع في الدكان” مجازيًا، أي أنه ينفق المال بلا حساب كليًا، مع شجن معنوي من تبذير الصرف. وليس من المستبعد أن تأتي كلمة “برطع” بهذا المعنى (الإنفاق المفرط) إما في محادثة ساخرة أو من اللهجات العربية الأخرى.

باختصار، تقدم هذه الأمثلة صورة واضحة لوظيفة الكلمة في الحياة اليومية؛ فهي تستخدم لوصف أي حركة أو فعل يتسم بالعشوائية والزيادة الزائدة عن الحد. وفي كتابة الإعلانات أو التدوينات يمكن اعتمادها لشد الانتباه على فكرة النشاط المفرط أو اللعب الطائش، بما يتوافق مع معايير السيو لاجتذاب القارئ عبر تعبيرات مألوفة وحيوية.

الجذر والأصل اللغوي

تعود جذور “برطع” إلى العربية الفصحى المبكرة حيث ذكر الفعل بَرْطَعَ باعتباره «جَرى جريًا سريعًا» أو «تدحرج». وقد اقتُبس إلى اللهجة السودانية عند العرب الرحّل والرعاة حيث كان يُقال مثلاً عن الجمل الحيّ أو أي حيوان وهو «يرتع» ويهز جسمه ويجري بسرور. ومنه جاء استعماله لوصف البشر ذوي الحيوية الشديدة. ويلاحظ أن معاني الجذر تتماهى بين الحركة الحرة والجري الحماسي، وهو ما يتناسب تمامًا مع الاستخدام المحلي.

على هذا الأساس، يُرجح أن السبب في ظهور الكلمة في اللهجة هو التأثير البليغ لحياة البادية والمواشي في السودان، حيث كان لزامًا وصف الحيوان الثائر بكلمات مثل “يبرطع” أو “يفنجط” للدلالة على هرولته. ومع مرور الزمن أصبح المجتمع يستخدم “برطع” تلقائيًا أيضاً لأي فعل بشري مشاغب وحيوي. وبهذا المعنى الثقافي اللغوي، حفظت الكلمة صلة بجذرها الأصلي في اللغة العربية، مع توسع دلالي ملائم للثقافة السودانية.