-->
استغفر الله العظيم و اتوب اليه

البمبر السوداني: قصة المقعد التراثي الذي يجمع السودانيين من الماضي إلى الحاضر

البمبر (وينطق «بنبر» باللهجة السودانية) هو مقعدٌ قصير تقليدي مشهور في السودان. يتميّز البمبر بأربعة أرجلٍ (عادةً من المعدن اليوم، وخشبٍ في الماضي) ومقعدٍ محاكٍ من خيوط أو حبال صلبة. وعلى الرغم من بساطة شكله، فهو جزءٌ أصيل من الثقافة السودانية اليومية. إذ يُستخدم البمبر في البيوت وفي الأماكن العامة للجلوس خلال الطبخ أو تجمعات الشاي والقهوة، ويُعرف أيضًا بأنه جزء من ضيافة «ستات الشاي» السودانيات.

أصل التسمية ونشأتها

كلمة «بمبر» في اللهجة السودانية مشتقة من الكلمة العربية «منبر» لكن بحرف الميم المحوّل إلى باء. قاموس اللهجة العامية للسودان يشير إلى أن «البنبر» هو المقعد الخشبي نفسه، وأن اللفظة في لهجة مازن ربيعة نشأت من تبديل حرف الميم إلى باء في كلمة «منبر». ويُذكر أن هذا المصطلح أًصيّل حبشياً (اثيوبياً) في جذوره. باختصار، فإن الاسم القديم «منبر» أُعطي له الصبغة المحلية «بمبر» مما يعكس نقلاً لغويًا خاصًا بالسودان.

المواد والتصميم

على مر الأجيال، صُنع البمبر من مواد بسيطة متوفرة في البيئة. قديمًا كان يُنحَت من جذع شجرة متينة ثم يُنسَج مقعده بأشرطةٍ من سعف النخيل أو جلود حيوانية. يروي أحد المؤرخين كيف كان الجلوس على بمبرٍ قديم يجري أثناء تحضير الطعام التقليدي، حيث جلس الرجل ورفيقه على مقاعد خشبية (بمبر) مغطاة بنسيج سعف النخيل أثناء سلخ حمامةٍ للطهو. أما اليوم، فغالبًا ما تُصنع أطر البمبر من مواسير حديدية صغيرة، ويُنسج مقعدها من حبال بلاستيكية ملونة مشدودة. ويقول تقرير صحفي عن «ستات الشاي» إن المقاعد الشهيرة العامية «بنابر» (جمع «بمبر») تُصنع بعناية من هياكل معدنية وحبال بلاستيكية بعد رشّ الأرض بالماء لجعلها باردة ونظيفة.

الاستخدامات اليومية

البمبر محمول وخفيف الوزن، ما يجعله مثاليًا للاستخدام المنزلي واللقاءات الخارجية. في البيوت الريفية والمدن، تجلس النساء عليه أثناء طبخ الطعام أو طحن القهوة أو صنع الكسرة، كما كان شائعًا أن يجلس الصغار والكبار حوله لمساعدة ست البيت أو للمحادثة. كما يُستخدم في صالونات النسوة ومجالس «ستات الشاي»، حيث تحيط النساء والبنات بمواقد الشاي والقهوة ويتحلق حولهن الرجال والأولاد للتسامر.

  • الصناعات التقليدية: أشارت مصادر ثقافية إلى أن «التكل»، وهو المكان المخصص في البيت للطهي وتناول الطعام، كان يتوسطه دوماً مقعد مثل البمبر أو ما يُعرف بـ «عنقريب» المصنوع من الخشب والمُنسّج بالحبال.

  • في مجالس الشاي والقهوة: يبرز البمبر كعنصر أساسي في ثقافة «الستات الشاي»، حيث تضع الباعة مقاعدها (بنابرها) بعناية قبل فتح محالها على الرصيف. ويقول الباحث أشرف حسن مرضي إن الشباب السوداني يجلسون لساعات طويلة أمام «ستات الشاي» يتبادلون فيها أخبار الاقتصاد والسياسة والرياضة، وأن هؤلاء النساء يجذبن الزبائن بكرم الضيافة ورائحة القهوة والبخور.

  • في الحكايات الذهنية: تذكر مذكرات أهل الخرطوم القديمة صلابة هذا المقعد التراثي ودوره في الذكريات العائلية. فمقطع أدبي من مشروع ذاكرة السودان يصف الجلوس على «بمبر» أثناء سلخ الحمام استعدادًا للطبخ. ويُروى أن «ستات الشاي» قد حلّ مقاعد البمبر مكان جلسات المقاهي المبكرة المندثرة نتيجة الظروف الاقتصادية.

السمات والميزة الفريدة

يتمتع البمبر بعدة مزايا تجعله محبوبًا ومتوارثًا:

  • بساطة التصميم: هيئة بسيطة بأربعة أرجل ومقعد منخفض يجعل من السهل حمله ونقله.

  • راحة الاستخدام: سطحه المنسوج مرن نوعاً ما، فيخفف الضغط على الجلوس الأرضي الصلب.

  • صلابة التحمل: المقعد مصمم ليحتمل الجلوس القريب من الأرض بشكل آمن، ويشتهر بمتانته حتى تحت الاستخدام اليومي.

  • رمزية ثقافية: كل بمبر يحمل قصة تراثية؛ فهو «ظلّ ثقافي» يجمع الأجيال في مطبخ البيت أو عند باعة الشاي على جانب الطريق.

  • مقعد شامل: يجلس عليه الجميع، من المرأة الطاهية إلى الطفل، وحتى المعلم أو العجوز في فترات الراحة.

  • توافر وانتشار: يمكن العثور على هذا المقعد في كل بيت سوداني تقريبا، وفي أسواق الحرف اليدوية ورفوف المتاجر الشعبية.

خلاصة: البمبر رمز التراث

باختصار، البمبر (البنبر) هو أكثر من مجرد مقعد صغير: إنه رمزٌ للضيافة والدفء الاجتماعي في السودان. فكلمةً عاميةً لمقعد يحمل إرثًا لغويًا من «منبر» الأجداد، ومادةً مصنوعة بتقنيات بسيطة تعود أصولها إلى الحياة القروية. وقد ظل البمبر حاضرًا في الحياة اليومية لكافّة السودانيين: من أمّ تحضّر القهوة في مطبخها، إلى شاب يناقش السياسة على رصيف الخرطوم عند بائع الشاي.

إذا كان هدفك هو الانغماس في الثقافة السودانية الأصيلة، فإن فهم مقعد البمبر وتجربته يتيح لك لمحة حقيقية على عادات الناس وتاريخهم. فهو يمثل نقطة التقاء بين الماضي والحاضر: نجده غريبًا ولكنه مألوف. وحين تجلس عليه، يجعلك تحس بروح المجتمع وأصالته. إن الاهتمام بالبمبر اليوم يعني المحافظة على جزء من تراثنا، فاجعل «البمبر السوداني الأصيل» حاضراً في منزلك ومحيطك لترتقي بأجواء الضيافة والأصالة السودانية.