كل ما تريد معرفته عن كلمة «فدادية» في اللهجة السودانية
| «فدادية» |
كلمة «فَدّادِيّة» غامضة بالنسبة للكثيرين، وهي تظهر كثيرًا في اللهجة السودانية الدارجة. في اللهجة الشعبية السودانية، تُستخدم فدادية للدلالة على المرأة التي ترتبط بصناعة وبيع الخمور المحلية. في هذه المقالة نشرح معنى الكلمة بالتفصيل ودلالة استخدامها في الثقافة السودانية، مع توثيق علمي.
معنى كلمة «فدادية» في اللهجة السودانية
يقصد بمصطلح «فدادية» في اللهجة السودانية عموماً للست التي تعمل في صناعة المشروبات المحلية المخمّرة وبيعها. وحسب قاموس الريف المكنون المعتمد في دراسة اللهجة السودانية، فإن «الفدادية هي صانعة المريسة التي لا تملك إندية وتعمل أجيرة عند الشيخة، وأحياناً تعمل لصالحها بتسويق ما تصنع من خمر في أماكن تجمُّع العمال من صيادين وغيرهم». بمعنى آخر:
-
صانعة المريسة: تعمل الفدادية في تجهيز وتحضير مشروب المريسة (الخمرة البلدية من التمر) بنفسها.
-
عاملة تحت إشراف شيخة الإنداية: غالباً ما تكون الفدادية عاملة أجيرة لدى شيخة الإنداية (السيدة المالكة لمكان الشرب)، وتعمل تحت إدارتهــــا.
-
مسوقة الخمر: تساعد الفدادية أيضًا في تسويق وبيع ما تصنعه من خمور في أماكن تجمع العمال والصيادين.
إذًا، لفظ «فدادية» يشير إلى النساء اللاتي يَعِدْنَ بالخمور الشعبية مثل المريسة ويعِدْنَ بشرائها للناس. وتُعتبر الكلمة نوعًا من الوصف الاجتماعي للخطيئة والضرورة الاقتصادية معًا، وتحمل إيحاءات ضمنية مرتبطة بالعيش والعمل في ظروف قاسية.
أصل الكلمة وتطورها
لا توجد مصادر موثوقة موثقة تحدد أصل كلمة «فدادية» بدقة في اللهجة السودانية. لكن يُعتقد أن أصلها قد يرجع إلى جذر عربي قديم «فدَى» بمعنى «فدى»، أي «فداء الأسير أو المخلوص بمقابل». ورغم ذلك، فقد اكتسبت الكلمة في اللهجة السودانية معنى خاصًا بالنساء المرتبطات بصناعة الخمور البلدية وكسب الرزق. أي أن الفدادية هنا ليست بمعناها الأصلي العربي، بل بمعنى محدد ثقافيًا واقتصاديًا في مجتمع الريف السوداني.
المشروبات المحلية المرتبطة بالفدادية
غالبًا ما يرتبط وجود الفدادية بصناعة أنواع معينة من المشروبات المحلية ذات الكحول الخفيف أو المُخمَّر. من أهم هذه المشروبات:
-
المريسة: مشروب تقليدي مخمّر مشهور في جنوب السودان، مصنوع من تمر وخميرة وأحيانًا حبوب. تحضّره النساء كمصدر دخل. تُخمّر المريسة التمر (أو الذرة/الدخن) وتتشكل عملية إنتاجها على أكثر من عشر خطوات. وتعتبر المريسة غذاء ومشروبًا شهيرًا في القرى. (ملاحظة: المريسة محظورة في شمال السودان بموجب القانون الإسلامي منذ عام 1983).
-
العرقي: مشروب كحولي مقطَّر من التمر شائع في السودان. يُصنع العرقي بخلط التمر مع الماء والخميرة، وتخمير الخليط ثم تقطيره، وهو أكثر تركيزًا من المريسة. صدر حظر على بيع العرقي عام 1983 لأسباب دينية، لكنّه لا يزال موجودًا في السوق السوداء لتلبية الطلب المحلي. تُنسب مهنة تخمير العرقي بالقرى إلى نساء كثيرات، وغالبًا ما كان يقمن بها بسبب قلة الفرص الاقتصادية.
-
الإنداية: رغم أنها ليست مشروبًا، فإن «الإنداية» من المصطلحات المرتبطة بشكل وثيق بهذه الثقافة. فالإنداية هي كلمة سودانية أصلها من «نادٍ»، وتعني الحانة الشعبية أو النادي الذي يجتمع فيه عشاق السمر والطرب ليتناولوا المريسة وغيره من المشروبات. وقد كانت الإنداية مكانًا مهمًا لتبادل الأخبار والتجارة بين الناس. تعمل فدادية غالبًا في الإنداية أو بسطاء خارجها لتبيع مشروباتها.
الفدادية والواقع الاجتماعي في السودان
تعكس مسيرة الفدادية الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة في بعض المناطق السودانية. فقد رصدت دراسات وإعلام محلي (مثل تقرير حَوْش نيوز الصادر عام 2023) أن نساء يُطلَق عليهن «ستات العرقي» أو «الفدادية» يأتين غالبًا من النازحات واللاجئات في جنوب السودان وغربه، وقد أُجِبْنَ بالمكوث في أحياء عشوائية بأم درمان وغيرها. هذه النسوة يتعرّضن لمخاطر قانونية واجتماعية كبيرة، حيث يُحظر صنع الخمور وبيعها وشربها منذ 1983، وغالبًا ما يُقبض عليهن ويتعرّضن للجلد والغرامات والسجن.
ووفقًا للتقرير نفسه، فإن معظم هؤلاء النساء تعيشن في فقر مدقع، فتجدهن يعملن «الشغل الحار» (غسيل الملابس أو بناء الفحم) أو يدخلن البيوت لتوفير طعام يوم العائلة، وأحيانًا يرسمن رقماً وطنياً (بطاقة هوية) باهظ الثمن ليحاولن العمل في مهنة «فرّاشة» أو نظافة، علماً بأنه لا توجد وظائف رسمية متاحة لهن. في ظل كل هذا، تظل صناعة وبيع المريسة والعرقي حرفة أخيرة يكسبن بها قوت يومهن، رغم كل التهديدات.
من هذا المنطلق، صارت كلمة «فدادية» تحمل دلالة ثقافية مزدوجة: من جانب، تشير إلى المرأة العاملة في كسب الرزق من صناعة الخمور البلدية؛ ومن جانب آخر، تعكس النظرة الاجتماعية التقليدية التي تفرّق بين «السكان الشرعيين» و«المهمشين»، وتُعزل النساء العاملات في هذا المجال على أطراف المدينة.
خاتمة
بهذا يُفهم أن «فدادية» في اللهجة السودانية ليست مجرد كلمة، بل اختصار لوضع اجتماعي وتاريخي. فهي تشير أساسًا إلى المرأة التي تُصنع الخمور الشعبية وتبيعها في تجمعات الرزق بأطراف المجتمع الريفي، وهي بذلك تلخّص قصصًا من النضال اليومي وصعوبات المعيشة. من المهم عند البحث عن معنى هذه الكلمة النظر إلى السياق الثقافي والتاريخي المنسجم معها.