الأستاذ متولي عيد: أول مدير سوداني للإذاعة السودانية ورائد الإعلام السوداني
يُعتبر الأستاذ متولي عيد أول مدير سوداني لإدارة الإذاعة السودانية (إذاعة أم درمان)، وهو اسمٌ شُدَّ إليه أنظار الإعلام الوطني بسبب دوره المحوري في تاريخ الإذاعة السودانية وتطوير محتواها. تأسَّسَت الإذاعة السودانية في أبريل 1940م إبان الحرب العالمية الثانية، ومنذ ذلك الحين لعبت دورًا رئيسيًا في الإعلام السوداني. في هذا السياق التاريخي، برز متولي عيد كأول سوداني يتسنم هذا المنصب القيادي في أواخر الأربعينيات، فاتحًا فصلاً جديدًا في تاريخ الإعلام السوداني. نستعرض فيما يلي سيرته الذاتية وإنجازاته وأثره في تطوير الإذاعة السودانية والإعلام الوطني.
| الأستاذ متولي عيد: أول مدير سوداني للإذاعة السودانية |
السيرة الشخصية والمسار المهني
-
الميلاد والنشأة: وُلد الأستاذ متولي عيد في عام 1913م، ونشأ في الخرطوم حيث تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي.
-
الدراسة: التحق بكلية غردون التذكارية في الخرطوم قسم الحقوق، حيث أظهر تفوقًا في دراسته الحقوقية لكنه لم يستكملها.
-
المسار المهني المبكر: عمل متولي عيد موظفًا حكوميًا في السلك الكتابي لفترة طويلة، حتى جاء اختيار الإدارة البريطانية له مديرًا لإذاعة أم درمان عام 1949م.
-
أول مدير سوداني للإذاعة: يُذكر أن الإنجليز قد اختاروا الأستاذ متولي عيد ليكون أول سوداني يدير الإذاعة السودانية، وهو ما شكّل تحولًا كبيرًا في الإذاعة السودانية بعيداً عن الإدارة الأجنبية.
-
خلفيته الشخصية: تميّز متولي عيد بشخصية قيادية صلبة وإدراك عميق بأهمية الإعلام؛ ورغم توليه المنصب في ظل ظروف استعمارية مشحونة، جعل من الإذاعة منارة للوعي الوطني.
إنجازاته في إدارة الإذاعة السودانية
أسهمت قيادة متولي عيد في الإذاعة في جملة من التحسينات النوعية والهيكلية، بينها:
-
وضع رؤية وإستراتيجية للعمل الإذاعي: كان له السبق في رسم أسس واضحة لتنظيم العمل الإذاعي في الإذاعة السودانية، فأسس «هنا أمدرمان» بأسس ضبط وتخطيط واضحة تركت بصماتها حتى اليوم.
-
توسيع وتنوع البرامج: بادر إلى زيادة ساعات البث وكمية البرامج رغم قصر فترة البث في بدايات الإذاعة. فأدخل برامج المنوعات والأغاني والأخبار والنشرات الدينية ضمن الجدول الإذاعي، فحظيت بتفاعل واسع من الجمهور.
-
دمج أخبار الصحافة بالإذاعة: أدخل متولي عيد لأول مرة أخبار الصحافة المكتوبة وتحليل أعمدتها ضمن برنامج الإذاعة، تقديرًا لدور الصحافة التثقيفي. فقد اعتبر أن الإذاعة يجب أن تكون امتدادًا حقيقيًا للصحافة في إثراء المشهد الإعلامي.
-
نظام تقييم الفنانين: ابتكر «متولي عيد» نظام الدرجات الثلاث لتصنيف الفنانين والإذاعيين (درجة أولى وثانية وثالثة)، ما أتاح تحفيز الابداع الفني وتطوير الأداء عن طريق ترقية أصحاب الكفاءة.
-
رفع جودة الأداء اللغوي والإذاعي: حرص على تأهيل المذيعين فنيًا ولغويًا من خلال دورات تدريبية للقراءة والتجويد وتحسين مخارج الحروف. كما كان يشرف بنفسه على نصوص الأغاني ومضمونها، ويعيد إليها كتابها إن وجدت بها عيوباً في الأسلوب أو المعنى.
-
توسيع قاعدة المواهب: تعامل بحكمة مع إضراب الفنانين في عام 1952، حيث عمد إلى استقطاب فنانين وشباب جدد مبدعين لحل الأزمة. ومن بينهم نجوم مثل رمضان حسن وصلاح محمد عيسى ومهاجم حسن، الذين أضيفت أصواتهم إلى خريطة الأغنية السودانية بفضل رؤيته المستنيرة.
-
الالتزام بالمواعيد والانضباط: كان حازمًا في الالتزام بالمواعيد والإجراءات، مطبقًا معايير صارمة على العاملين حتى صار الإنتاج الفني في عهده مثالًا للجودة والترتيب.
تُعد هذه المنجزات من أمتع الأمثلة على إبداعه الإداري وفهمه العميق لنبض الجمهور، وقد انعكست نتائجه في «حقبة ذهبية» لإذاعة أم درمان أثناء ولايته.
تأثيره على الإعلام السوداني وتطور الإذاعة
لا يقتصر أثر متولي عيد على إنجازاته الفردية فحسب، بل يمتد إلى الصورة الكبرى للإعلام السوداني وتوجهاته. إذ يعتبر متولي عيد أحد روَّاد الإذاعة السودانية والإعلام السوداني عموماً، ومُهندسًا أساسيًا في بناء قواعدها الاحترافية. فقد خَصَص جهوده لتحويل إذاعة أم درمان إلى منارة للإعلام الوطني والوعي الثقافي؛ حيث أضحت البرامج التي تشرف على إنتاجها «هنا أمدرمان» ملهماً للأجيال، ووسيلة لتعزيز الهوية السودانية.
من خلال دمجه للأخبار الصحفية ضمن البث الإذاعي، ربط متولي عيد بين الصحافة المكتوبة والراديو، فساعد على تكامل أدوات الإعلام السوداني. وبهذا الأسلوب، أسهم في ترسيخ التاريخ الإعلامي السوداني وترقية دوره المجتمعي. لقد جعلت استراتيجياته الصارمة وأفكاره الفنية محطة الإذاعة في عهده رقمًا لا يُنسى في وجدان الجمهور. وبفضل هذه الإرث الإداري والفني، سار على دربه مَنْ تولوا إدارة الإذاعة من بعده، فكان عمله مرجعًا استرشاديًا لهم، وظل تأثيره واضحًا في الإذاعة السودانية في القرن العشرين بل وفي مراحل لاحقة.
من ثم، يجمع النقاد والزملاء على أن الأستاذ متولي عيد قدم نموذجًا للريادة في مجال تاريخ الإذاعة السودانية؛ فقد عمد إلى تحديث برامجها وربطها بحاجات المجتمع السوداني في مرحلة ما قبل الاستقلال وبعده. وبهذا، مثل جسرًا بين إعلام الاستعمار وإعلام الاستقلال، مكرسًا مبدأ أن تعمل الإذاعة السودانية بواجبها المجتمعي القومي. ولهذا يعتبر ذكره شرفًا للـرواد والأعمدة الأساسية للإذاعة السودانية، وترسيخًا لمكانته كأحد رجال الإعلام الأوائل في السودان.
خاتمة
في الختام، تظل سيرة متولي عيد وتاريخه كأول مدير سوداني للاذاعة السودانية مثالاً على الحضور القوي للشخصية الوطنية في وسائل الإعلام. فقد وضعت بصماته واضحة في كل جانب من جوانب العمل الإذاعي: من البرامج إلى الإنتاج، ومن التدريب إلى التنظيم الفني. وبفضل فهمه العميق لدور الإعلام، أصبح إرثه جزءًا من التاريخ الإعلامي السوداني يجدر تذكره ودراسته. إن أبرز خصاله — من صرامة انضباطية إلى حب للقراءة والاطلاع — جعلت من إشرافه على الإذاعة نموذجا للإدارة الكفؤة التي تسعى لتحقيق التقدم والاحتراف في خدمة الوطن.