-->
استغفر الله العظيم و اتوب اليه

المثل السوداني هبلة ومسكوها طبلة: المعنى العميق، الأصل، الشرح، التاريخ، والمناسبات التي يُقال فيها

تعريف المثل

المثل الشعبي السوداني «هبلة ومسكوها طبلة» يُستخدم لوصف الشخص الأحمق أو الساذج الذي يعطى شيئًا لا يقدر على استعماله، فيتصرف بلا معرفة ويثير ضجيجًا بلا فائدة. إذ تسمى في العامية السودانية الفتاة المغفلة أو البليدة باسم «هبلة»، بينما تعبر «الطبلة» عن آلة إيقاعية. بهذا المعنى المجازي، يفترض المثل أن من يمنح هبلة طبلة سيستمر في طرقها دون توقف ظنًا منها أنها تعزف لحنًا موسيقيًا، لكنه في الحقيقة مجرد إزعاج «ونشاز». بعبارة أخرى، يُقال عن المسؤول أو الشخص غير الكفء الذي لا يجيد التصرف بما أُعطي من صلاحياتٍ أو أدواتٍ إلا أن يحدث الفوضى دون إنجاز، فهو «يسبِّب جلبة بلا معنى».

  • كلمة «هبلة» تشير إلى المرأة أو الشخص البليد قلة الفهم.

  • «طبلة» هي آلة موسيقية تصدر صوتًا عاليًا عند طرقها.

  • المعنى المجازي: يُقال للشخص غير المؤهل أو الذي يبالغ في استخدام صلاحياته بلا جدوى.

نبذة عن المثل

يُعتبر «هبلة ومسكوها طبلة» من الأمثال الشعبية المتوارثة في السودان منذ أجيال. وهو مدرج ضمن قوائم الأمثال السودانية المعروفة، ما يؤكد انتشاره في الثقافة المحلية. هذا المثل يلخّص بسخرية الحالة التي يرافق فيها إعطاء سلطة أو وسيلة إلى من لا يستحقها. ولقد امتد استخدامه إلى ما هو أبعد من السودان، إذ استُخدم في الإعلام العربي كتشبيه لشخصيات أو مؤسسات تواجه انتقادات. فعلى سبيل المثال، استخدم صحفي سوداني المثل لوصف قناة تلفزيونية بمثال ساخر، وكذلك لجأ كُتاب آخرون إلى المثل في سياق سياسي ووطني.

مناسبة المثل

يُقال هذا المثل في مواقف عديدة تتشابه في كونها تتعلق بالأشخاص أو الجهات غير الكفوءة أو الساذجة التي تُسند إليها مهام لا تليق بهم. من أهم مناسبات استخدامه:

  • في الكلام اليومي والعام: عندما يكلف شخص غير مؤهل بمهمة معينة فيتسبب في فوضى أو يبالغ في أدائها دون جدوى.

  • في السياسة والحكومات: لوصف رئيس أو حكومة تتصرف بعنف أو تفرض قرارات دون جدوى. مثلاً قيل عن إحدى حكومات الانتقال بأنها «هبلة ومسكوها طبلة» لكونها لم تنجز غير الخراب.

  • في الإعلام والصحافة: لإنتقاد صحف أو برامج «تطبل» من أجل قضية أو أشخاص دون وعي. فقد وصف كاتب كويتي الصحافة السطحية بأنها «صحافة هبلة ومسكوها طبلة» بمعنى صوت مرتفع فارغ دون مضمون.

  • في العمل الإداري: عندما يعهد لعنصر غير كفء بمسؤولية فنشاهد إجراءاتٍ عقيمة أو تأخيراً لا داعي له.

  • في العلاقات الاجتماعية: تستعمل أحياناً لوصف شخصٍ يتحدث في موضوعٍ لا يفهمه وينشر إشاعات مثلاً.

وصف المثل

يتخيل المثل لوحةً هزلية: «هبلة» (شخص ساذج) ممسكة بــــ طبلة (آلة إيقاعية)، فتظن نفسها تعزف قطعة موسيقية جميلة بينما هي تدقها بشكل عبثي. نصوص الأمثال السودانية توضح هذه الصورة: كما ذكر أحد كتاب الصحف السودانية، «عندما تعطى الطبلة للهبلة فإنها تستمر في الدق عليها معتقدة أنها تعزف مقطوعة موسيقية... وهي في الحقيقة إزعاج ونشاز». هذه الصورة الجوهرية تعبّر عن شخص غير مدركٍ لما يفعل، فتصدر منه أصوات دون قصد موسيقي. وبشكل عام، يحمل المثل معاني السذاجة والتفاخر الفارغ وإحداث الضجيج دون جدوى.

شرح المثل

المثل يقصد مجازيًا أن إسناد السلطة أو المسؤولية إلى غير أهلها يؤدي إلى الفوضى. فهو تحذير من تكليف العاجز بأي شأن مهم. بمعناه الأوسع، يقال: «أنت الآن هبلة ومسكوها طبلة»، للدلالة على أن الشخص لا يجيد ما بين يديه من مهارة أو سلطة، مما يضر به ويضر بالآخرين. يمكن تلخيص شرح المثل في النقاط التالية:

  • عندما يسند أمر لشخص ساذج، فإنه لن ينتج إلا ضجيجاً دون نتيجة.

  • المثل يسخر من ظاهرة المبالغة؛ فالشخص يظن نفسه «يعزف موسيقى» بعمله، بينما هي مجرد ضجة لا يسمعها إلا من في مستواه الفكري.

  • يضرب المثل أيضًا للأشخاص الذين ينشرون إشاعات أو معلومات مغلوطة دون تحقق، فهؤلاء «ينقرون على طبلة» من دون وعي، فيضرون أنفسهم والآخرين.

  • بعبارة عامية، يمكن القول إن المعنى الكامن: «أنت شخص لا يعرف كيف يستخدم ما بين يديه، فتضر بنفسك أو بالآخرين». وهذا يتفق مع تفسير عامن للمثل كما أورد مغرد في إحدى المنتديات: «(هبلة ومسكوها طبلة) يضرب في الشخص الذي لا يحسن استخدام ما بيده فيضر نفسه أو يضر غيره».

مميزاته وعيوبه

يتميز المثل بعدة نقاط تجعله شائعًا في التعبير الشعبي، ومن أهمها:

  • تصويره المجازي القوي: فهو يرسم صورة واضحة ومضحكة عن السذاجة (فتاة تضرب طبلة) تسهل فهم الموقف للتعبير عن الفشل أو العبث.

  • سهولة تداوله: صياغته بسيطة ولهجة شعبية مألوفة، مما جعله حاضراً في الأفلام والحوارات وحتى عناوين الصحف الخاصة بالهجاء السياسي.

  • الوضوح والكفاءة: ينقل المثل الفكرة الرئيسية مباشرةً دون حاجة إلى شرح إضافي.

لكن للمثل أيضًا بعض العيوب أو التحفظات:

  • طابعه السلبي والإهاناتية: استخدام لفظ «هبلة» يحوي إهانة وقد يعتبره البعض جارحًا أو مهينًا، خاصة للنساء (على الرغم من أن المثل يُقصد به أي شخص ساذج بغض النظر عن الجنس).

  • عدم الرسمية: يُعد من التعبيرات العامية الساخرة، لذا فهو غير مناسب في سياقات رسمية أو أكاديمية، وقد ينتقص من جدية المتحدث.

  • التعميم: أحيانًا ينطوي على تعميم مفرط، فيجعل كل خطأ أو فشل ناتجًا عن «هبلة»، دون اعتبار عوامل أخرى.

تاريخ المثل

لا توجد سجلات تاريخية دقيقة تحدّد متى ظهر المثل لأول مرة، فهو جزء من التراث الشفهي السوداني المتداول بين الناس منذ القدم. وكغيره من الأمثال الشعبية، وُصف بأنه عصارة حكمة متوارثة شفهيًا. لم يتم العثور على مرجع تاريخي يبين مؤلفًا أو منشأً محددًا، لكن من الملاحظ أنه قد استخدم لسنين عديدة في الأحاديث اليومية والأمثال. وصعوبة تتبع تاريخ الأمثال شائعة، إلا أن إدراجه في قوائم مثل السودانية الحديثة يؤكد قدم استخدامه لدى عموم الناس.

أصل المثل

رغم عدم وجود مصدر موثق لأصل المثل، إلا أن بعض الباحثين يشيرون إلى أن مفرداته (“هبلة” و“طبلة”) جاءت من الواقع اليومي. فـ«الطبلة» آلة موسيقية شائعة في الاحتفالات الشعبية، و«هبلة» لفظ عامي يعني الساذج. ربما نشأ التعبير عن لوحات مسرحية أو حفلات كانت تُقدم فيها فتيات بلهاء دون موهبة، يحملن الطبول ويثقبنها دون مهارة. يُرجّح أن المثل تشكّل في القرى والمجتمعات السودانـية القديمة، ليمتد لاحقًا إلى المدن. جدير بالذكر أن بعض المحللين ربطوا المثل بعادات مشابهة في البلدان العربية الأخرى، لكن الاعتراف الأوسع به يبقى داخل حدود التراث السوداني.

في من قيل هذا المثل

يُقال المثل عمومًا في حق الأشخاص أو المؤسسات غير المؤهلة التي تسعى لعمل صوتٍ دون إنجاز. وإليكم أمثلة عمن قيل فيهم:

  • عن الإعلاميين أو الصحف: وصف الكاتب السوداني عبد الرحمن المتعب قناة تلفزيونية (الجزيرة) بأنها «هبلة ومسكوها طبلة»، أي أن القناة كانت «منذ نشأتها تتسبب في إزعاج ونشاز» وتطبل من دون جدوى.

  • عن الساسة والحكومات: استخدمه الكاتب ياسر الفادني لوصف حكاماً جددًا بعد ثورةٍ ما بأنهم لم يقدموا سوى «الخراب والدقة»، قاصداً أنهم كانو «هبلة ومسكوها طبلة» بمعنى أنهم أثاروا جلبة لا قيمة لها.

  • عن موظفين أو إداريين: يقال المثل لأي موظف متصلب في عمله، مثلاً عند تحميل موظف بسيط مسؤوليات كبرى فيفقد وظيفته قيمتها وينعكس ذلك سلبًا على الجميع.

  • عن الأفراد العامين: ينتشر استخدامه في التحاور اليومي لوصف أي شخص «يفرط في مهامه على نحو عديم النفع»، ويقال مثلاً: «سيبها خليه يلطم طبلة، دي هبلة أساساً» بمعنى استهجان لجهله.

آراء حول هذا المثل

يختلف الناس في تقييمهم لهذا المثل. فالبعض يعتبره صريحًا وفعّالًا في وصف المواقف الصعبة: يشيرون إلى أنه لا يخلو من طرافة ويعكس سخرية الشعب من الفشل. وآخرون يرونه فوقته جارحة أو سوقية، خاصة إذا وُجهت للنساء بلفظ «هبلة». وقد لاحظ البعض أن استعمال المثل قد يثير ضحكًا معتبرًا لدى العامة ويعطي الملاءمة أي «واحد بحب الضحك»، لكنه يظل مثار انتقاد لوصف الآخرين بالسذاجة المفرطة. على أي حال، تبقى أصداء المثل في العبارات الشائعة متفشية؛ إذ يشير كتاب الرأي مثلًا إلى أن «صحافة بأسلوب هبلة ومسكوها طبلة» تعني صحافة ترتفع أصواتها بلا معرفة، وهو رأي ضمن السياق النقدي نفسه. يمكن القول إن الأكثرية تتفهم الصورة البلاغية للمثل دون قبول التحقير الحرفي، بينما يستخدمه الكتاب والنقاد كلما أرادوا التعبير عن «ضجيج بلا فائدة» بطريقة فكاهية موجزة.

كل جوانب هذا المثل

في الخلاصة، المثل «هبلة ومسكوها طبلة» يحتل مكانة بارزة بين الأمثال السودانية المتداولة، فهو يحمل معاني متعددة وعميقة:

  • يجمع بين السخرية والوضوح في تصوير الشخص غير الكفء.

  • يعكس نقدًا اجتماعيًا أو سياسيًا حين يوجه للأشخاص أو المؤسسات «الهمجية» التي لا تنتج سوى ضجة.

  • صيغته اللاذعة تجعلها فعالة في التصوير البلاغي، لكنها تحتاج استخدامًا حذرًا لتجنب الإساءة.

  • يظهر استمرارية في الاستخدام عبر الأجيال والحوادث، دون أن تفقد قوتها الدلالة.

باختصار، يعبّر المثل عن إسناد الأمر لغير أهله بصورة بليغة: «إعطاء غير الكفء سلطة كإعطاء هبلة طبلة، النتيجة ضجيجٌ بلا لحن». وقد وُصفت مفرداته في الصحافة بأنها «رسوم توضيحية لما يجري من ضجيج باهت»، مما يؤكد أن المثل وصل إلى ذروة المعنى الشعبي. يعكس «هبلة ومسكوها طبلة» بجلاء وجهة نظر المتحدث: أن التكليف الخاطئ بنِتَاجه حتماً فوضى وأذى دون إنجاز حقيقي.