محل الرهيفة تنقد: قراءة شاملة في المثل السوداني بين الحكمة والتحذير
“محل الرهيفة تنقد” هو مثل سوداني حديث أصبح يشاع في وسائل التواصل الاجتماعي والصحافة المحلية. يحذر هذا المثل من استغلال نقاط الضعف في الجماعة أو الوطن. فـالرهيفة تعني موضع الضعف أو الشقوة، وتنقد تعني تُستغل فيؤدي ذلك إلى الخراب. بكلمات أخرى، إذا وجد القائد أو النظام “وهناً” فين، فسوف يخترق هذا الضعف ويُسقطنا. وكما يوضح الإعلامي السوداني محمد طلب: «هذه الجملة تعني أن هناك هشاشة في مكان ما… وبما لدينا ستظهر هذه الهشاشة ومكانها وتنقد مما يعني (الخراب) كنتيجة حتمية لهذا الفعل».
نبذة عن المثل ومعناه
-
العبارة: “محل (الرهيفة) تنقد”.
-
المعنى الحرفي: “الحفرة الضعيفة تُستغل أو تُدوَّن”.
-
المعنى المجازي: إذا سُمح باستغلال نقطة ضعف (في المجتمع، الدولة، المؤسسة، أو الفريق)، فإن ذلك يؤدي إلى انهيار وخسارة.
-
السياق: جاءت العبارة في مناقشات سياسية وانتقادات للوضع السوداني الراهن، وهي تحظى باهتمام المجتمع منذ ثورة ديسمبر 2018 وما بعدها. وقد وصفها كاتب الصحافة بأنها “جملة صرنا نسمعها كثيراً هذه الأيام”، مما يعني أنها أصبحت شائعة في التعبير عن استياء الناس من الثغرات السياسية والأمنية.
صورة توضيحية لجنود سودانيين في مركبة عسكرية. يرمز وجود هذه الصورة إلى البيئة الأمنية والعسكرية التي قيل فيها هذا المثل ويعكس المعنى الدفاعي للتحذير من الثغرات.
شروط استخدام المثل ومناسبته
يُقال هذا المثل في مواقف تعبر عن القلق من استغلال نقطة ضعف. أمثلة:
-
في السياسة والصراع: حين يشعر الناس أن قوّة ما (مثلاً نظام حاكم أو جهة مسلحة) تحاول اقتناص فرص التطهير أو الهجوم من ثغرة في مقاومة الخصم.
-
في المجتمع والمؤسسات: عند الحديث عن القادة أو المؤسسات التي قد تتجاهل مشاكل صغيرة فتعاني منه لاحقاً.
-
كنصيحة تحذيرية: يستخدمه البعض لتحفيز الزملاء أو الإخوة على سد الثغرات (كأن يقولون “لا تفتحوا محل الرهيفة” بمعنى “لا تتركوا باباً للعدو في صرحكم”).
شرح المثل ووصفه
في شرح أكثر تفصيلاً، يربط المثل بين الصراحة والكشف عن الضعف وبين الهزيمة المحتملة. فبظهور الرهيفة (أي النقطة الضعيفة) وكشفها أو تركها مفتوحة، تكون النهاية الفشل أو الخراب. يوضح عبد الله علي إبراهيم في مقال تحليلي أن هذه العبارة “جاءت من أدب الفروسية السودانية”، حيث كان المتحدث يحثّ العسكريين: «أي أن النظام لو وجد وهناً فينا فلينفذ منه ويقضي علينا… ولكن هيهات». بعبارة أخرى، يستلهم المثل من ثقافة الفرسان السودانيين المُقاتلين التي تؤكد على الحذر وثبات الموقف.
بحسب الصحافة السودانية، تُعَدُّ هذه العبارة من الخطورة بمكان، لأن متحدثها “يخفي جهله بمكان الهشاشة” ويريد تسليط الضوء عليها بدون إعطاء تفاصيل. أي أنه يشير إلى ثغرة ما بطريقة تهويدية أو تمردية. إلا أن من استخدموا العبارة في ثورة 2019 – مثل الملازم محمد صديق إبراهيم – كانوا يقصدون النقيض: سدُّ الثغرات وعدم إظهار الضعف حتى لا يجدها الآخرون (النظام السابق أو القوى المعادية) ليهاجموها. وقد خلد التاريخ عبارة صديق «الرهيفة تنقد» باعتبارها دعوة للثبات والصمود.
مميزات المثل وعيوبه
-
الإيجابيات:
-
توعية وتحذير: ينبه المجتمع إلى ضرورة معالجة نقاط الضعف قبل استفزاز خصوم محتملين.
-
قوة الحجة: تصويرها بصيغة مثلية يجعل المعنى سهلاً ومؤثراً، ويحث على اليقظة والحذر في آنٍ واحد.
-
-
السلبيات:
-
التشاؤم: قد تحمل نظرة قاتمة تجعل الناس يترقبون الفشل، بدلاً من التركيز على الحلول.
-
الإجحاف في التعميم: أحياناً تُقال العبارة بشكل متهور دون تحليل للموقف بدقة، مما قد ينعكس سلباً على معنويات الناس.
-
الشمولية المغلوطة: إذا اعتقد الجميع أن هناك "رهيفة" في كل موقف، قد يُثبط ذلك الروح المعنوية أو يؤجّج الفتن.
-
تاريخ وأصل المثل
رغم تصنيف “محل الرهيفة تنقد” ضمن الأمثال الشعبية السودانية، إلا أن استخداماته واسعة النطاق تعود إلى السنوات الأخيرة. لم يُجِدِ الباحثون شيئاً يؤكد نشأته في التراث القديم، بل يبدو أنه ارتبط بمرحلة ما بعد ثورة ديسمبر 2018. صحيفة الصيحة ذكرت أن هذه العبارة أصبحت جملة “صرنا نسمعها كثيراً هذه الأيام”، ما يشير إلى أنها وليدة اللحظة الراهنة أكثر من كونها عتيقة. بيد أن قائلها الفعلي الأول ربما استقى فحواها من الثقافة القتالية السودانية القديمة، كما أشار كاتب مستقل إليها من “أدب الفروسية السودانية”. في كل الأحوال، انتشر المثل وتردّد كثيراً منذ عام 2019 في الخطابات والخُطب المنادية بالحذر والوحدة.
القائل الأول لهذا المثل
أول من برز استخدام هذه العبارة في الصحف والميديا هو الملازم أول (معاش) محمد صديق إبراهيم، الذي كان ضابطاً سودانياً شارك في حماية المتظاهرين أثناء ثورة 2019. فقد ذكر الاعلامي عبد الله علي إبراهيم أن الملازم صديق أطلق العبارة خلال خطاب له في اعتصام القيادة العامة للجيش (9 أبريل 2019)، عندما دعا زملاءه من القوات المسلحة للسير مع الشعب وقال لهم حرفياً: «الرهيفة تنقد». ومن هنا ذاع المثل بشكله الحالي وأصبح مرتبطاً بسيرته وأيقونة الثوار. بعدها استخدمته مقالات أخرى لتوصيف الوضع السوداني أو التحذير منه.
آراء حول المثل
تباينت الآراء حول هذا المثل:
-
معنويًّا، رأى بعض السودانيين أنه قول حكيم يعكس وعي الجماعة بضرورة حل مشاكلها داخلياً قبل أن يستغلها الآخرون.
-
انتقادات: انتقد آخرون الترديد المتشائم للمثل ووصفوه بأنه يشير إلى “ثقافة نحملها منذ الصغر” يغذيها الاحباط. محمد طلب في صحيفة الصيحة دعا لردّ فعل إيجابي قائلاً إنّنا يجب أن نكون “بنشرجية” نبحث عن محل الرهيفة ونسدّه بدلاً من أن نكتفي بالتحذير من “التنقد”.
-
تفاؤل الثورة: بينما اعتبر مؤيدو الثورة أن المثل تعبير عن الصمود والإصرار (كما لمّحت هتافات الثوار في 2019)، حثّ آخرون على أن يتحوّل التحذير إلى عمل وإصلاح فعلي لتفادي الكوارث.
الخلاصة
باختصار، مثل “محل الرهيفة تنقد” يعبّر عن حتمية العواقب حين تُترك الثغرات مفتوحة. فهو يحذّر من نتائج الإهمال الداخلي ويظهر الحاجة إلى سد الثغرات بدلاً من إبرازها. لا يزال المثل حديثاً نسبياً في الذاكرة السودانية وتُقاله الأجيال الجديدة في سياقات سياسية واجتماعية حساسة، وهو يحمل طابعاً تحذيرياً قوياً. كما أنه أثار جدلاً بين من يعتبرونه تعبيراً واقعيًّا عن التخوف، وبين من يراه سلبية يجب معالجتها. على أي حال، يبقى “محل الرهيفة تنقد” من العبارات الشعبية التي باتت جزءاً من خطاب السودانيين وتعبيراً عن حماسهم للتغيير وأمنهم من الإخفاق، كما تؤكّد المصادر الصحفية.