-->
استغفر الله العظيم و اتوب اليه

سر المثل الشعبي من دقنه وافتل له: تاريخه، معناه، وأبرز دلالاته

المثل الشعبيمن دقنه وافتل له” هو من الأمثال المتداولة في الثقافة العربية الشعبية، وخاصة في السودان ومصر. يصف هذا المثل موقفاً محدداً يساعد على إدراك معنى المساعدة الجزئية والمغلفة؛ ففي الحكاية الشهيرة يرتبط المثل بقصّة شاب طلب خيطاً (فتلة) لصناعة شيء ما، فأعطاه الشيخ خيطاً من شعر ذقنه. وهذا الموقف المضحك يشرح المقصد اللغوي للمثل: تقوم بفعل شيء لشخص ما لكنك في الواقع استخدمت موارده هو نفسه (أو دفع ثمنه)، مما يعني أنك لم تقدّم له المساعدة الحقيقية بل دللته عليها.

أصل المثل وتاريخ ظهوره

يُعد “من دقنه وافتل له” من الأمثال الشعبية القديمة المتوارثة عن الفولكلور المصري والسوداني. رغم أن أصل الحكاية يعود إلى الثقافة الريفية (حيث كان إسداء معروف بأن يُفتل الخيط من الشعر أو ألياف موجودة)، فقد ورد المثل في عدة مصادر تراثية حديثة. فقاموس الأمثال العامية يؤكد أن الدقن هنا تعني اللحية، والمثل يُضرب لمن “لم يحتج في أموره إلى شيء من الخارج”. كما يذكر قاموس العادات المصرية أن العبارة تعني حرفياً “تصنع له حبلًا من صميم عمله”. وفي الأعمال الأدبية الحديثة ورد المثل على لسان بعض المؤلفين، مما يدل على أنه كان معروفاً ومتداولا على الأقل منذ القرن العشرين.

قصة المثل ووصفه

تقوم قصة المثل على حكاية شابٍ كان يحتاج إلى فتلة (خيط) لصنع شيء ما، ولم يكن عند الشيخ (أو الرجل) خيوط متاحة. ففكر الشيخ قليلاً ثم أخرج عدداً من شعيرات لحيته (من دقن الشاب)، وفتلها معاً ليفرز خيطاً قد استخدمه الشاب. بعد أن انتهى الشيخ، أعطى الشاب الخيط الجديد، فاستغرب الشاب كيف يردّ جميله في ظل أن هذه الفتلة قد صُنعت من شعر لحيته نفسه. هذا الموقف يصف المثل بلغة تصويرية: فبدل أن يساعده بموارده الخاصة أو منحاً دون مقابل، صَنَع له ما يحتاجه من قدرات وموارد الشاب نفسه. ولذلك يقول المثل إنك تقوم بفعل ما على حساب شخص صاحب الحاجة، بمعنى أنك “أنت لم تساعده فعلاً، لأنه دفع ثمنها، لكنك دللته على ما يريده”.

شرح المعنى والتفسير

من المعاني الرئيسية للمثل أنه إذا كان شخصٌ ما بحاجة إلى مساعدة أو خدمة، فإنك تؤديها له لكن باستخدام موارده هو ذاته. التعبير الشعبي يركز على هذه المفارقة: كأنك تقدم له شيئاً لكنه في النهاية هو من دفع ثمنه (حتى لو لم يدفع مالاً ظاهراً). باختصار، المساعدة المجانية هنا مغشوشة. لذلك كثيراً ما يُستخدم المثل للتعبير عن موقف سلبي من جهة المتلقّي أو حتى من جهة الفاعل، بدلاً من المدح.

وفي تفسير آخر، يُقال إن المثل يعبر عن الاكتفاء الذاتي؛ فمن دقنه افتل له، بمعنى أنه “من لحيته افعل له خيطاً”، وكأن الشخص يفعل ما يحتاج إليه بنفسه دون المساس بمصادر خارجية. في هذا المعنى الإيجابي يُرى تشجيعاً على الاستقلالية وعدم التوكّل على الغير. لكن الاستخدام الشعبي في الغالب يميل إلى التفسير الأول – أي المساعدة الجزئية على حساب المستفيد – كما وضحه العلماء الشعبيون.

مناسبة استخدام المثل

يُقال المثل عادةً في مواقف يتبيَّن فيها أن شخصاً قدم مساعدة لآخر، لكنه في الحقيقة جعل هذا الآخر يتحمّل الكلفة. مثلاً إذا قال أحدهم: “لقد ساعدته في أمره”، ثم يُقال له “من دقنه وافتل له”، يقصدون أن هذا المساعدة لم تكن مجانية وأن المستفيد هو الذي دفع ثمنها. قد يُستخدم المثل أيضاً عند وصف شخص يعتمد على غيره للحصول على شيء لكنه في النهاية يُسهم بأمواله أو مجهوده الخاص. وعامةً، يقال هذا المثل للسخرية أو التوبيخ من موقف ظاهر وكأنه مساعدة، لكنه عملياً خدمة ذاتية.

ومن الأمثلة التوضيحية على استخدامه حديثاً، أن الإعلامي المصري توفيق عكاشة استشهد به في تعليقٍ سياسي، مشيراً إلى أن الأطراف المختلفة “كلهم يأكلون بعضهم بعضًا” بمعنى التعاون على مصلحة لا تخصهم. ويظهر المثل أيضاً في النقاشات السودانية، فقد وُصف تحالف سياسياً معتبراً أنه قائم على “فلسفة من دقنه وافتل له”، مما يدل على أن العبارة تستخدم في وصف التعاملات الانتهازية.

مميزات المثل

  • إيجاز وحكمة شعبية: كغيره من الأمثال، يتميز بوضوح المعنى وقوة التصوير. فهو يأخذ موقفاً معيشياً (حاجة شخص وخيطي من اللحية) ويغلفه بكلمات مختصرة يفهمها كل الناس.

  • تعزيز الثقافة الشعبية: ينتمي إلى التراث الشفهي الموروث عن الأجداد. ورد ذكره في مصادر عديدة مثل “قاموس العادات” المصري وكتب الأمثال، مما يؤكد عمومه وتداول أهله للقيم التقليدية.

  • تشجيع الاعتماد على الذات: يمكن فهمه كتشجيعٍ غير مباشر لفكرة ألا يعتمد الشخص على الغير، في حين يلقى المديح حين يفعل الشيء بذاته. فكما يقول القاموس، المعنى الحرفي “تصنع له حبلًا من صميم عمله”، أي تحرّكه بما لديه.

عيوب المثل

  • سلبية المعنى: يرى النقاد أن المثل قد يعكس نظرة سلبية إلى المساعدة والعلاقات الإنسانية. ففي كثير من الأحيان يعبر عن اللوم أو التذمر لعدم تقديم المساعدة الحقيقية بلا مقابل. وبحسب مؤلفين في الأمثال، يُصنّف من الأمثال التي “تُعانق قيمًا سلبية” (أي تشجع على الأنانية أو التشكيك في الغير).

  • تحطيم روح التعاون: قد يُفهم المثل خطأ بأنه يقلل من قيمة التعاون أو العون المتبادل، إذ لو تكرر استخدامه في الحياة فقد يضعف التضامن بين الناس عندما لا يسأل العون أو يعتبر أي مساعدة دائماً متكئاً على مصلحة شخصية.

  • إساءة في بعض السياقات: في حين هو مثل شعبي، إلا أنّ طبيعته الساخرة قد تُعتبر جارحة عند استخدامه مباشرةً تجاه أشخاص يعرفون صاحب الحاجة؛ إذ يوحي بأنهم مستغلون. لذلك يمكن أن يكون استخدامه جارحاً إن لم يؤخذ بحس فكاهي أو نقد بنّاء.

آراء وتعليقات حول المثل

البعض يرى في المثل حكمة تذكّرنا بعدم التكلّف على غيرنا والسعي للاكتفاء الذاتي. فكما يذكر قاموس العادات المصرية: “من دقنه وافتل له حبل” تعبير يقال بمعنى أنك تصنع له شيئًا من صميم عمله، أي أنه يصلح بحكمته الذاتية.
لكن آخرين يصفونه بأنه “مثل معانق للقيم السلبية”، لأنه يشيع فكرة المساعدة المغشوشة. على سبيل المثال، يضم كتاب أمثال عربية “من دقنه وافتل له” ضمن قائمة أمثال تعكس الإحباط وحيث “كل واحد يأكل مصحوبته”.

في الوسط الشعبي يُعد المثل حاضراً حتى اليوم في الكلام اليومي، خاصة في السودان ومصر. فهو مثال على الفكاهة المصرية الشعبية الممزوجة بنقد اجتماعي. وتؤكد مجموعة من الأمثال الشعبية أنه مرادف لمفاهيم مثل «خذ من ديل الشب» و«خذ من طاقته»، ويختلف الناس في ردة فعلهم تجاهه، فمنهم من يرون فيه حكمة بليغة، ومنهم من يرونه عتاباً لاذعاً.

نظرة شاملة

بشكل عام، يمثل “من دقنه وافتل له” مثالاً نمطيًّا على مثلٍ شعبي طُرِح بحيلة لغوية وظرفية. يستخدم لاستنكار مساعدة تتضمن منطقاً سيئاً أو تناقضاً في الموقف. يجمع المثل بين الصورة الطريفة (الأعشاب تُفتل من اللحية) والمعنى العميق (التضحية الذاتية والمساعدة). ومع انتشاره، أصبح يضرب للحديث عن موضوعات اجتماعية وسياسية مختلفة.

في النهاية، المثل الشعبي “من دقنه وافتل له” هو جزء من تراث الأمثال السوداني والمصري، يحمل صورة واقعية ومعنى مزدوجاً بين تشجيع الاستقلالية وتذكير بتحفظات المجتمع حول المساعدة. والمهم معرفته وفهمه في سياقه الثقافي؛ إذ يعكس بأسلوبه البليغ حكمة شعبية نقدية.