مرمى الله ما بترفع | المثل السوداني الشهير: معناه، أصله، قصته، وتفسيره الكامل في الموروث الشعبي السوداني
مرمى الله ما بترفع هو مثل سوداني شعبي شهير يُقال عادة عن الشخص الذي لم يحالفه الحظ أو فشل في تحقيق هدفه، ويعني حرفياً أن القَدَر (بمعنى ما يريده الله) لم يُصعِّد هذا الهدف فلا يرتفع أو ينجح. يستخدم المثل للإشارة إلى أن مسعى هذا الشخص «مُركّز عليه القدر» فلا جدوى من إصراره. ويُذكر أن أصل هذا التعبير مُرتبط بقصة دينية: ففي القرآن الكريم يُحكى أن رجلاً صالحاً يُدعى بلعام بن باعوراء كان له شأنٌ عظيم بين بني إسرائيل. ووفق الرواية القرآنية، أُلقي بلعام في موضعٍ ما اختاره شياطين الأرض فاضطربت نفسه، فبقي على الأرض ولم يرتفع. وبعد رحيله عن الدين عُيّر لقب «مرمي الله ما بترفع». بعبارة أخرى، يقول عادل عسوم إن الله – لو شاء – كان سيرفعه لعلوٍ، لكنه سبحانه لم يشأ له الرفعة لأنه غوى و«باع دينه بمتاع الدنيا الزائل»، فأصبح مثالاً لمن لم يَرُق له «ارتفاع» في الحياة.
تعريف المثل
المثل «مرمى الله ما بترفع» هو قول مأثور سوداني يستخدم مجازياً. ففيه كلمة «مرمى» بمعنى الهدف أو المقصد، وعبارة «ما بترفع» تعني «لا يرتفع» أو «لا يتحقق». وبذلك، يراد بالمثل أن من خصّه القدر بمثل هذا المصير «مرمى» لن ينال نجاحاً أو ارتفاعاً. يُقال هذا المثل عادة في أحاديث الجمهور اليومية أو السياسية للإيحاء بأن الشخص ذي الحظ العاثر لن ينال مراده مهما حاول. وقد استخدمه سياسيون سودانيون أيضاً في خطاباتهم، كما استشهد به الإمام الصادق المهدي في أحد خطبه قائلاً “مرمي الله ما بترفع” لشرح موقف سياسي رفض فيه نصيحة خصومه.
نبذة عن المثل
هذا المثل متأصل في الثقافة الشعبية السودانية وذاع صيته بين الناس. وهو من الأمثال التي تستحضر في الذهن قصصاً وتقاليد تربط بين الحكمة اليومية والقيم الدينية. يُعبر المثل عن فكرة القضاء والقدر وأهمية التواضع أمام مشيئة الله. ويُستخدم في العاميات السودانية للتهكم على الشخص المغلوب على أمره أو ذو التأخير في النجاح، كما يُقال مع «الرافعو الله ما بقع» كصيغة إضافية فكاهية شائعة. ويمكن القول إن نبذة هذا المثل تشمل كلاً من الدور الديني (من خلال ربطه بقصة بلعام القرآنية) والبعد الاجتماعي (كيف يرويه الناس في الحوار اليومي أو في المزاح).
مناسبة المثل
يُقال «مرمى الله ما بترفع» في مناسبات محددة وأحياناً بإيقاعٍ ترفيهي أو ساخر. من أشهر الحالات التي يرد فيها المثل:
-
الإخفاق والخيبة: يُقال للشخص الذي فشل في إنجاز مشروع أو مهمة مهمة، كالقائلين له إن القدر وضعه في موقع «مرمى» فلا نجاح ينتظره.
-
الشماتة والسخرية: يستخدمه من يشمت بآخرين بعد فشلهم أو سقوطهم، كنوع من التصيّد على أخطاء الغير.
-
النقاشات اليومية والسياسية: يظهر أحياناً في الحوارات أو اللقاءات الشعبية حين يتحدث الناس عن «سوء حظ» فريق أو شخص ما، أو يربطون بين الهزيمة والحكم الإلهي. وقد استُخدم المثل في الإعلام والخطاب السياسي ليعبر عن انهيار كيان أو فكرة؛ ومثال ذلك قول أحد المحللين السياسيين بأن (مرمى الله ما بترفع) ينطبق على حال قناة تلفزيونية ما بعد خطأ فادح تعرضت له.
وصف المثل
يتكون المثل من كلمتين رئيسيتين «مرمى الله» و**«ما بترفع»**. يمكن وصفهما كالآتي:
-
المرمى: تُشير العامية السودانية إلى الهدف أو المكان المقصود، وكأن القضية والأمر الكلي قد حُدِّد له مكانٌ ثابت في قدر الله.
-
ما بترفع: تعني حرفياً «لا يرتفع»، أي أن هذا الهدف أو الشخص لن يتحقق له ارتفاع أو تحقق.
بنظرة وصفية، المثل مجازي ودرامي في تركيبته، حيث يُشبّه الإنسان بهذا المرمي القابع على الأرض. الجملة تدل على حالة قطعية من الفشل: فالمقصود أن من كُتب له أن يظل “مرمى” فلن يُرفّع أو يُعلِّم، مهما استمر بالجهد.
شرح المثل
لفهم «مرمى الله ما بترفع» بعمق نعود إلى القصة المرتبطة به. يروي القرآن الكريم أن بلعام بن باعوراء كان رجلاً صالحاً من بني إسرائيل، عُرف بأمرين: علمٌ ونبوة، وكرامة استجابة الدعاء. كان قوي الإيمان وشارك النبي موسى عليه السلام زمانه. ذات يوم طلب منه زعماء قوم جالوت (جبابرة أرض فلسطين) أن يلعن موسى وجيشه. رفض في البداية، لكن إلحاح مالهم وضغوط زوجته أقنعته بمحاولة. ارتكب بلعام جريمة: ذهب على حماره لينفذ دعاءه، ولكن الملائكة أنزلت حماره فبَرَكَ في الطريق؛ رغم ذلك واصل بلعام الدعاء الشرير. وحسب الرواية، “إذا بها تتحوّل دعوته إلى هلاك لجبّاري قوم جالوت الذين طلبوا منه الشر”. وبعد هذه الأحداث، حلَّ البلاء على قوم بني إسرائيل بسبب فسادهم (ابتدأ بالزنــــا والأمراض)، حتى مات منهم كثيرون بالطاعون الذي أرسل الله أبركته.
أما بلعام نفسه، فقد عوقب في الدنيا بأن “اندلع لسانه على صدره وصار مثل الكلب اللاهث” (آية قرآنية)، وانتظار عقابٍ أليم في الآخرة. ويعلق عادل عسوم على هذه النهاية فيقول: «أمّا بلعام فقد أُخلد إلى الأرض دون رفع، فأصبح مَرْمِي الله ما بترفع». بمعنى آخر، الله سبحانه لم يرده في مكانٍ عالٍ أو منصب متسامٍ رغم إمكانه ذلك («ولو شاء الله تعالى لرفعه، لكنه سبحانه لم يشأ له الرفعة والعلو»)؛ لأنه اختار الرَّضوخ للدنيا بدلاً من حق الله، فبقِي مثلاً يُضرب للتعجيز.
والعبرة من القصّة أن الدعاء الخبيث الذي توقع هلاك الناس يظل أعظم خيبة لنفس صاحب الدعاء. ولقد أخذ المثل من هذا المحور الأخير في القصة، ليشير إلى الشخص الذي لا يريد له القدر (أو الله) الارتفاع؛ وكأنه «مُرمى» أوقعه على الأرض بثقله.
مميزاته وعيوبه
-
الإيجابيات: المثل موجز ويحمل حكمة دينية؛ فهو يختصر قصة طويلة في عبارة قصيرة تعكس واقعاً من مفاهيم القضاء والقدر والردّ على الطامع. يذكّر المثل الناس بأن الإرادة الإلهية فوق إرادتهم، وأن الفشل أحياناً قد يكون عاقبة مغالاة الإنسان في تحقيق هدفه بغير رضا الله. ويُستخدم المثل أيضاً كتنبيه للتحلي بالتواضع، إذ يجمع بين تقنية بلاغية (التصوير بأن الشخص «مرمى» على الأرض) ومغزى روحي.
-
السلبيات: الرسالة قد تبدو قاسية على المقصود بها. فالمثل قد يثبط عزيمة الشخص الذي يُقال فيه بأنه «مَرْمَى الله ما بترفع»، وكأنه محكومٌ عليه بالعجز حتى قبل المحاولة. قد يُفهم على أنه حكم سلبي مطلق يمنع التفاؤل، واستخدامه في السخرية يجعل الناس يشعرون بالإهانة. لذلك يحذر البعض من إساءة استعماله، خاصة في الأوضاع الحساسة، حيث يُمكن أن يؤذِّي معنويات السامع بدلاً من أن يقدّم الحكمة المقصودة.
تاريخ المثل
يصعب تحديد تاريخ دقيق لظهور هذا المثل في الحياة الشعبية. لكن أصل المعنى يعود إلى زمن قديم جداً؛ فقصة بلعام المذكورة في القرآن تنتمي إلى عصر النبي موسى عليه السلام، أي قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام. أما النص الشفهي للمثل نفسه، فيرجح أنه ترسّخ بين الأجيال في السودان خلال المئات من السنين الأخيرة دون مصدر مكتوب محدد. بمرور الوقت، حافظ الناس على هذه العبارة وانتقلوا بها شفاهاً. وربما كان المتداولون الأوائل هم الأهالي في القرى والمدن التي عرفتها الروايات القرآنية. ومنذ القرن العشرين، وردت عبارة مرمى الله ما بترفع في عدد من الكتابات والمقالات السودانية كجزء من التوثيق الشعبي للمثل وتفسيره.
أصل المثل
يتفرّع أصل هذا المثل من قصة وردت في نصوص دينية (آيات القرآن) وليست عبارة لنص شرعي كامل، وإنما صياغة شعبية مبسّطة منها. ففي القرآن (سورة الأعراف) وردت آيات تحكي أن الله كان بإمكانه أن يرفع بلعام بمسؤولية دنيوية («ولو شاء الله لرفعناه بها») لكنه لم يشأ له ذلك لأنه اختار البقاء على الأرض خوفاً واتّباعاً لشهواته. أما عبارة مرمى الله ما بترفع نفسها فلا نجد لها جذراً في كتب القدامى؛ بل هي من نتاج الثقافة السودانية. فهي تراث شفهي مستمد من فكرة قرآنية بأن الله لم يرفع رجلاً صالحاً اختار الخطيئة، وتحولت إلى مثل شعبي يعبر عن العبرة بتوظيف العامية. بالمثل، يستخدم أهل السودان أحياناً صيغة شبيهة وهي «وقيع الله ما بترفع» بنفس المعنى، أي أن القدر الذي وضعه الله لشخص ما لن يُرفعه أحد.
في من قيل هذا المثل
لم يُسند المثل إلى شخصية محدّدة في التاريخ الشعبي، فهو في الأصل موروث جماعي. ومع ذلك، تذكر بعض المصادر تفاصيل عن كيفية روايته شفاهةً. ففي إحدى القصص تروي الكاتبة عادل عسوم أن امرأةً شكت من عقوق ابنها أمام جدِّها، وختمت كلامها غاضبة بالقول: «مرمي الله ما بترفع». غضب الجد لأنها وصفت الولد بذلك، وأوضح لها حكاية المثل وعقوبته. يُستشفّ من هذه الرواية أن المثل كان مُنتشراً في أوساط أسرية وكانت جدّة العائلة تجيبه. ببساطة، ليس هناك قائل واحد مشهور، بل يُنسب القول لعامة الناس. وفي سياق آخر، ورد المثل في خطابات سياسية كما سجل الكاتب محمد وداعة عندما استخدم تعبير «مرمي الله ما بترفع» مضافاً إليه جزء فكاهي «والرافعو الله ما بقع» للتهكم على سقوط الآخرين.
آراء حول هذا المثل
-
وجهة نظر داعمة: يعتبر كثير من مروّجي الأمثال الشعبية أن «مرمى الله ما بترفع» يحمل حكمة صادقة. فهي تعكس الاعتقاد بأن النجاح والسقوط بيد الله، وتذكّر الناس بأن المصائب أحياناً من قضاء الله. ويقول مؤيدون إن المثل يرسّخ مبدأ التوكل على الله بعد فشل المحاولة، ويحث على تقبّل النتائج برحابة صدر.
-
وجهة نظر ناقدة: من جهة أخرى، يرى البعض أن المثل سلبي أكثر من كونه بناءً. فهم يحذرون من أن استخدامها قد يقوض ثقة الإنسان بنفسه ويمنع الأمل. ينتقدون أنه حين يُقال لشخص «مرمى الله ما بترفع»، يشعر بأنه ضائع ولا فرصة أمامه للتغيير. كما يعتبره بعضهم «مسخرة» إذا قيل للناجحين السابقين عقب هزيمتهم، لأنه حاسم تماماً ومطلق، ولا يترك مجالاً للتفاؤل.
كل جوانب المثل
باختصار، يمثّل المثل الشعبي «مرمى الله ما بترفع» مزيجاً من الحكمة الدينية والفلكلورية السودانية. من جانب، يبرز جانب العدالة الإلهية باعتبار أن الله هو الرازق والهابط للأقدار؛ ومن جانب آخر، يعكس نظرة اجتماعية للنجاح والفشل من منظار القدر. تباينت آراء الناس حوله بين من يراه حكمة تؤدي إلى الصبر والتواضع، وبين من يعتبره خطراً على المعنويات. ورغم هذا التباين، يظل المثل حاضراً في الثقافة؛ فهو يُروى في اللقاءات وبين الأصدقاء وفي المقالات التحليلية. إنه يعكس أهمية الالتزام بالقدر والتفكير في نتائج الأفعال، لكنه أيضاً يُحفّز على إعادة تقييم طرق التعاطي مع الفشل. على هذه الجوانب المختلفة، يمكن القول إن «مرمى الله ما بترفع» يبقى من الأمثال السودانية المتداولة التي تثير التأمل في جدلية القوة الإنسانية والقضاء الإلهي.