-->
استغفر الله العظيم و اتوب اليه

“نكورك ليكم ما تجونا ونجيكم تكوركو” – المثل السوداني الشهير ومعناه

“نكورك ليكم ما تجونا ونجيكم تكوركو” هو مثل سوداني شعبي يحمل بين عباراته حكمة نقدية لاذعة. ورد ذكر هذا المثل في قوائم الأمثال الشعبية السودانية، مما يؤكد أنه متداول بين أهل السودان منذ زمن. يُستخدم هذا المثل عادةُ للتعبير عن اللوم والسخرية تجاه أشخاص لا يبادرون بالحضور أو الرد على النداءات، وعندما تذهب إليهم تجدهم يصرخون أو يحتجون.

تعريف المثل ومعناه

المثل “نكورك ليكم ما تجونا ونجيكم تكوركو” يتألف من عبارتين رئيسيتين. العبارة الأولى “نكورك ليكم” تشير إلى رفع الصوت والنداء إلى الطرف الآخر. والأصل في كلمة “نكورك” يعود إلى كلمة (كورك) العامية السودانية التي تعني الصياح أو المناداة بصوت عالٍ. أما العبارة الثانية “ما تجونا ونجيكم تكوركو” فتعني حرفيًا “أنتم لا تأتون إلينا، ولذا نأتي إليكم فتكونون أنتم من يصرخ أو يستنكر”. وفي العموم، يعبر المثل عن استياء المتكلم من طرف آخر تجاه من يعلمه بهمومه أو دعوته فلا يستجيب، ثم إذا جاء المتكلم لطلب ما عندهم يواجهه الطرف الآخر بالصرخ أو الغضب.

- **”نكورك ليكم”**: تعني القول بصوت عالٍ أو مناداة الشخص بلغة واضحة من جانبنا. - **”ما تجونا”**: أي أن الشخص المخاطَب لم يستجب ولم يأتِ حينما دعيناه أو نبهناه. - **”ونجيكم تكوركو”**: أي أننا سنضطر للذهاب إليه، وعند ذلك سيكون هو من يكورك (يصيح أو يحتج) استغرابًا أو غضبًا.

وباختصار، المعنى الضمني للمثل هو: “ندعوك فأنت لا تأتي، وعندما نأتي إليك تشتكي أو تغضب”. يستخدم هذا التعبير السوداني ساخراً لللتعبير عن أن الشخص المقصود يترك المبادرة للآخرين دائمًا، وعندما يُبادَر إليه يحدث العكس.

نبذة وخلفية المثل

يندرج هذا المثل ضمن الأمثال الشعبية السودانية التي توارثتها الأجيال. تتميز الأمثال السودانية بتعبيرها الشعبي المباشر عن التجارب الحياتية وعادات المجتمع. وللمثل “نكورك ليكم ما تجونا ونجيكم تكوركو” أصول عامية ريفية؛ حيث كانت كلمة “كورك” شائعة في اللهجة الدارجة للدلالة على رفع الصوت والمناداة بصوت جهوري. وقد انتقلت هذه العبارة إلى المدن والحواضر وظلت متداولة حتى اليوم بين مختلف الشرائح الاجتماعية. ورغم أننا لم نعثر على ربط تاريخي دقيق لظهور المثل، فإن استخدامه يشي بأن أصله متعلق بمواقف يومية معروفة، خاصة في بيئات تعتمد على التفاهم الشفهي والمباشر.

مناسبة المثل وسياق استخدامه

يقال هذا المثل في مواقف محددة عندما يجتمع شخصان أو أكثر ويطلب أحدهم إحضار أو لقاء الآخر دون جدوى، فعندما يسأله أو ينادي عليه بإلحاح، لا يجد استجابة. ثم فجأة يأتي الذي لم يستجب، ليطلب شيئاً مما لدى الآخر، فيرد عليه الطرف الأول بامتعاض. وفي هذه الحالة يقول الثاني ساخراً: “نكورك ليكم ما تجونا ونجيكم تكوركو”. ويمكن تلخيص سياقات قول المثل كالتالي:

  • الإشارة إلى شخص متردد: يقال حين يطلب أحدهم شيئاً من شخص سابق وأهمله، فيرد هذا الشخص بسخرية بأن roles تغيرت.

  • المجاملات والاجتماعيات: يستخدم أحياناً للتعبير عن خيبة أمل، مثلاً إذا ظل شخص ما يماطل في زيارة أهل أو أصدقاء ثم غاضبٌ عندما تزوره.

  • النقد الساخر: يستخدم المثل للوم شخص لا يبادل الزيارات أو الدعوات بالمثل، فالمثل يشير إلى التشبث بالحق أو عدم الوديّة.

  • في الخلافات اليومية: قد يظهر أثناء مشادات صغيرة بين الأصدقاء أو في العائلة لو حصل موقف مشابه للحالة السابقة.

في هذه الأمثلة، يُطرح المثل لتعميق معنى الدعابة أو العتاب. أي أنه مثالٌ تحذيري استنكاري من إهمال الآخرين أو تجاهلهم للنداء، ثم توقع رد فعل مبالغ فيه عند تغيير الأدوار.

شرح المثل بالتفصيل

لفهم المثل بعمق، يمكن تفصيل معاني كلماته ومضامينه بشكل نقطي:

  • معنى “كورك / تكورك”: في اللهجة السودانية، تعني الكلمة رفع الصوت أو الصياح (النداء بصوت عال). فعندما نقول “نكورك ليكم” فنحن نصرخ أو نناديكم. أما “تكوركوا” فهي صيغة المضارع بمعنى “تصرخون” أو “تحتجون بصوت مرتفع”. هذا يوضحه أصل الكلمة كما جاء في مصادر لغوية عامية.

  • تحليل العبارتين: أولاً نقول: “نكورك ليكم” – أي “نرفع صوتنا لمناداتكم”. ثم نقول: “ما تجونا” – أي “فلم تأتِم إلينا”. والنتيجة: “ونجيكم تكوركو” – عندها نأتي نحن إليكم وأنتم تصرخون وتعترضون. المثل إذًا يربط بين الحدثين: دعوتنا دون استجابة مقابل مجيئنا وإثارة ردود فعل منكم.

  • الغرض من العبارة: قصد المتكلم من الكلام هو توجيه تهكم لاذع؛ ليقول لمن تجاهله أن أداءه كان غير لائق، وأنه من العدل الآن أن يأتي بدلاً من المعاتبة. المثل إذًا يشبه القول: “أشعلت النار في داري فأنا الآن في دارك”. الفكرة هي إبراز التناقض في سلوك المخاطَب.

بهذا الشرح، نرى أن المثل يجمع بين سخرية لسانية وبساطة التعبير الشعبي، مما يرسخ معناه في الأذهان. يُقال العبارة دائماً بصيغة الأسلوب المباشر، وغالباً ما تكون مسبوقة بتحضير صاخب (ربما عتاب أو شكوى) من الطرف الثاني عند النداء عليه.

مميزات المثل وعيوبه

يتمتع هذا المثل بعدة مميزات تفسر بقاءه واستمراره في التداول، إلى جانب بعض العيوب التي يجب الانتباه لها:

  • مميزات المثل:

    • قوة التعبير وسرعة الفهم: صياغة المثل المباشرة تجعل مقصده واضحاً لمن يعرف سياق الدعوة والزيارة.

    • الفكاهة والسخرية: استخدام نغمة ساخرة وإيحائية يضفي جوًّا من الخفة على الموقف، مما يسهل ترديده في المحادثات غير الرسمية.

    • الموقف الإنساني: يعكس موقفًا متعارفًا بين البشر، فالكثيرون مروا بتجربة الدعوة والتجاهل. بالتالي يترسخ في الثقافة كتعبير عن العدالة الاجتماعية (على الأقل بالمزاح).

    • سهولة الحفظ والتداول: الكلمات بسيطة ومتكررة في المحادثة اليومية، مما يجعل الناس يتذكرون المثل بسهولة وينقلونه من جيل إلى جيل.

  • عيوب المثل:

    • قد يفسر على أنه هجومي: فعلى الرغم من نكهته الفكاهية، فإن المثل ينطوي على نقد مباشر؛ قد يشعر الشخص المخاطب بالإهانة أو الانتقاد.

    • يحتوي على حدة لسان: استخدام صيغة الأمر الغاضب (نكورك، تكوركو) قد يبدو قاسياً للبعض.

    • لا يصلح لكل المواقف: لا يستخدم هذا المثل في المواقف الرسمية أو مع الأشخاص ذوي المكانة الاجتماعية العالية، بل هو عادة للمواقف العفوية والأصدقاء والأهل.

    • اعتماده على لهجة محلية: مفرداته غير مفهومة خارج السودان، لذا لا يمكن تعميم المثل واستخدامه في سياقات غير سودانية دون توضيح.

باختصار، مميزات المثل تنبع من صراحته وشعبيته في التعبير عن موقف شائع، أما عيوبه فتعلق بحدة نبرته واحتمال إساءة فهمه خارج سياقه الفكاهي أو داخل أماكن تتطلب لباقية في الحديث.

تاريخ وأصل المثل

لا يوجد سجل دقيق لمتى نشأ هذا المثل بالضبط، لكنه ينتمي إلى التراث الشفهي السوداني. من المعروف أن الأمثال الشعبية تظهر في سياق الحياة اليومية: ربما كان أصل العبارة من حوار في الأسواق أو عند أهل البدو. الكلمة الأساسية “كورك” (التكوير) قد تكون متجذرة في البيئة الزراعية أو الرعوية، حيث يحتاج الشخص أن ينادي بأعلي صوته ليعلم أحداً ما. ثم تطورت لتصبح مجازياً عن الجدال والانفعال.

وبحسب بعض المراجع الثقافية اللغوية (لم نعثر على مصدر محدد موثق)، فقد ارتبطت هذه العبارات بالكوراك (جمع كورك) الذي يعبّر عن الصياح الجماعي، وهو لفظ دارج منذ قرون في اللهجة السودانية. ورغم أن أصل الكلمة ليس عربيًا فصيحًا، إلا أن استخدامها انحصر في السودان. قد يكون هذا التعبير قد ترسخ في الحواري السودانية وطفا إلى السطح بشكل مثل يُردَّد في المواقف اليومية.

في من يقال هذا المثل

يُقال هذا المثل لمن يترك دورًا وينتظر الآخر. بعبارة أخرى، الجهة التي طالما تجاهلت دعوات وجهود الآخرين وأصرت على أن يكون الجميع مسؤولاً عنها. على سبيل المثال:

  • شخص طلب من صديقه أن يُحضِر له شيئًا أو يبلغه خبراً، فلم يستجب له. فإذا جاء شخصٌ ثالث للطلب نفسه، استخدم الأول المثل ليلومه على تضييع الوقت.

  • العائلة أو الجيران الذين يتهربون من المناسبات الاجتماعية أو يحضرون متأخرين، فإذا اكتشف أحدهم الحاجة للعائلة، يقول المثل للتعبير عن الاستياء.

باختصار، يُوجَّه هذا المثل عادة إلى الشخص الذي يتظاهر بالأهمية ويتجاهل ما يُطلب منه، وبهذا المثل يُذكر بأن الموقف سينقلب عليه إذا تكرر ذلك.

آراء حول هذا المثل

آراء الناس حول مثل “نكورك ليكم ما تجونا ونجيكم تكوركو” متنوعة:

  • إيجابيات آراء: يرى الكثير من السودانيين أن المثل حاد الظرافة وعميق المعنى. فهو يجعل الطرف المقابل يفكر في سلوكه بشكل غير مباشر. كما يلاحظون أن له وقعاً خفيفاً يفهمه السامع بسرعة، وبالتالي يرشّد ردود الأفعال العنيفة. يفضل بعضهم استخدامه في الأحاديث اليومية للدعابة والوعظ معاً.

  • انتقادات وأخطاء: انتقد بعض اللغويين الاستخدام المفرط للهجة الحادة في المثل، بل يعتبره غير مناسب للمواقف الرسمية. كما عبر آخرون عن أن المثل يعكس ثقافة عدم التجاوب بصورة سلبية، وقد يُساء فهمه عند الترجمة أو خارج نطاق السودان. يُقال أحياناً إنه من الأفضل تجنّب تعميم الأسلوب الندبي (اللوم المباشر) في علاقات العمل أو مع الغرباء.

ويمكن القول أن الرأي العام يميل إلى اعتبار المثل جزءاً أصيلاً من التراث الكلامي السوداني، رغم اختلاف الانطباعات الشخصية تجاه حدته. بعض الكتاب السودانيين استشهدوا به في مقالاتهم للدلالة على تجاهل المسؤولين، مُعبرين عن حنينهم للألفة الاجتماعية السابقة. وآخرون يظهرون القليل من الحرج إذ يرون أنّ تواتر الأمثال اللاذعة قد يفاقم الأزمات بالكلام القوي.

كلّ جوانب المثل “نكورك ليكم ما تجونا ونجيكم تكوركو”

يُغطي هذا المثل جانبين رئيسيين هما التواصل والاحترام المتبادل. فهو يذكّرنا بأن العلاقات الإنسانية تحتاج إلى المبادرة من الطرفين. المثل يركّز على أهمية الوفاء بالعهود والرد على الدعوات. وفي الوقت ذاته يظهر الجانب الساخر الذي يحث الطرف المتردد على التحرك بدلاً من انتظار الآخرين. من ناحية أخرى، فإن نقده اللاذع يفتح نقاشاً حول حدود التوبيخ الشعبي، خاصة عندما يتحوّل النقد إلى نكتة قد تؤلم.

في النهاية، يظل مثل “نكورك ليكم ما تجونا ونجيكم تكوركو” جزءاً من الذاكرة الجمعية في السودان. يجمع بين الحكمة الشعبية والفكاهة المحلية. استخدامه اليوم ينذر بفهم عام يعترف بأهمية التبادل والاستجابة في العلاقات الاجتماعية، مع توخي عدم الإفراط في اللوم. مثل هذه الأمثال يثبت أنها بوصلة ثقافية يمر عليها السودانيون ويستلهمون منها دروساً عما ينبغي وألا ينبغي في التفاعل الاجتماعي.