الزيارات الرسمية بين البلدين السودان والإمارات: تاريخ حافل بالعلاقات الدبلوماسية والشراكات التنموية"
تأسست العلاقات الرسمية بين السودان والإمارات منذ أوائل الاتحاد الإماراتي في ديسمبر 1971، ومنذ ذلك الحين تطورت عبر سلسلة زيارات رسمية رفيعة المستوى. فقد قام الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات، بأول زيارة رسمية إلى السودان في 20 فبراير 1972. وكان في استقباله في الخرطوم الرئيس السوداني جعفر النميري بحفاوة بالغة. شملت زيارة الشيخ زايد آنذاك جولة في كافة الولايات السودانية بهدف تعزيز أواصر الأخوّة والتعاون الإقليمي. وتبع ذلك بأشهرٍ قليلة تبادلاً للزيارات، حيث قام الرئيس النميري بزيارة رسمية إلى أبوظبي في 23 أبريل 1972 بدعوة من القيادة الإماراتية. وكان النميري يرافقه وفد حكومي رفيع المستوى من وزراء ومسؤولين. وقد جرت في تلك اللقاءات مباحثات حول تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والقومي بين البلدين، في أجواء من الشراكة الأخوية.
| الزيارات الرسمية بين البلدين السودان والإمارات |
زيارة الشيخ زايد إلى السودان (فبراير 1972)
كانت زيارة الشيخ زايد في فبراير 1972 أول زيارة رسمية له كرئيس للدولة إلى الخارج. وقضى الشيخ زايد حوالي ستة أيام في السودان، حيث شارك في مراسم استقبال رسمية شملت عزف النشيد الوطني وأطلقت حفلات نارية تكريماً للضيف (المعلومات حسب المصادر التاريخية). ورافقه في الزيارة عدد من كبار المسؤولين الإماراتيين. وألقى الشيخ زايد كلمات أكّد فيها تضامن الإمارات مع السودان، معبّراً عن تطلّعه لتعميق العلاقات الأخوية. ويُذكر أن وزارة الخارجية الإماراتية أكّدت أن الشيخ زايد قام بجولة شاملة في كل الولايات السودانية خلال هذه الزيارة. وقد شجعت هذه الزيارة الإمارات على تقديم دعم تنموي كبير للسودان، فقد خصّصت أبوظبي في تلك الفترة مساعدات ضخمة لإعادة إعمار بنى تحتية حيوية في السودان.
زيارة الرئيس جعفر النميري إلى الإمارات (أبريل 1972)
في المقابل، تمت أول زيارة رسمية لرئيس سوداني إلى الإمارات حين زار الرئيس النميري دولة الإمارات في 23 أبريل 1972. وكان في استقباله في قصر المنهل بأبوظبي الشيخ زايد بن سلطان، وجرى تبادل كلمات ترحيب تعزّز فيها دعم البلدين لبعضهما البعض. وأكد النميري خلال اجتماعاته على رغبة السودان في تعزيز التعاون مع الإمارات في مجالات التنمية الاقتصادية والسياسية. وقد أثمرت الزيارة قرار تشكيل آلية تعاون مشترك؛ إذ تم الاتفاق لاحقاً على إنشاء لجنة وزارية مشتركة بين البلدين لتنظيم العلاقات الثنائية وتنميتها.
زيارة الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان إلى السودان (2001)
بعد عدة عقود من الانقطاع النسبي في الزيارات، جددت الإمارات نشاطها الدبلوماسي تجاه السودان مع مطلع القرن الحادي والعشرين. ففي مارس 2001 زار الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان ــ حينها نائب رئيس مجلس الوزراء والقيادي الإماراتي ــ السودان في زيارة رسمية. وأكدت حكومة الإمارات أن تلك الزيارة وضعت أسساً لتعزيز التعاون القائم بين البلدين، لا سيما الاقتصادي والتنموي. وعلى هامش الزيارة الإماراتية تم الإعلان عن تأسيس لجنة وزارية مشتركة جديدة، تضم وزراء من كلا البلدين بهدف تنسيق المشاريع التنموية والاستثمارات المشتركة. وقد شكّلت هذه الخطوة نقطة ارتكاز لتفعيل العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الخرطوم وأبوظبي في السنوات التالية.
زيارات الرئيس عمر البشير إلى الإمارات (2015–2017)
شهدت العلاقات ازدهاراً إضافياً في منتصف العقد الثاني من الألفية، حيث قام الرئيس السوداني السابق عمر البشير بعدة زيارات رسمية إلى الإمارات.
-
زيارة نوفمبر 2015: في 28 نوفمبر 2015، وصل الرئيس البشير إلى أبوظبي في زيارة رسمية استقبله فيها ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. وذكرت وكالة أنباء الإمارات أن الشيخ محمد أكد أن الزيارة ستعزّز العلاقات الأخوية بين البلدين تحت رعاية رئيس الدولة آنذاك الشيخ خليفة بن زايد. كما بحث الجانبان قضايا التعاون السياسي والاقتصادي والتنموية من أجل خدمة مصالح الشعبين. وحظيت الزيارة بتغطية إعلامية واسعة، ورافق البشير وفد وزاري رفيع ضمّ وزير الخارجية إبراهيم غندور ووزير المالية وغيرهم.
-
زيارة فبراير 2017: عاد البشير في فبراير 2017 إلى أبوظبي حيث كان في استقباله مجدداً الشيخ محمد بن زايد، وتكريمه بمراسم رسمية شملت عزف النشيد الوطني وإطلاق 21 طلقة مدفعية احتفالاً بالضيف. وقد صافح البشير كبار المسؤولين الإماراتيين وجال معهم في مراسم الاستقبال. وشارك في الاحتفال نخبة من كبار مسؤولي الدولة الإماراتيين من بينهم رئيس المجلس الوطني الاتحادي د. آمال القبيسي، ونائب رئيس المجلس التنفيذي الشيخ حمدان بن زايد، ووزراء الداخلية والخارجية وعدد من كبار الأمراء، فيما حضر عن الجانب السوداني عدد من الوزراء ومستشارو الرئيس وحامدو بشير حامد الأمين (سفير السودان في الإمارات).
-
زيارة يوليو 2017: في 17 يوليو 2017، قام الرئيس البشير بزيارة ثانية إلى الإمارات في أقل من عام. وتم استقبال البشير في قصر البحر بأبوظبي من قبل الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. وأشادت التقارير الإماراتية بحفاوة الاستقبال وبالخطاب الذي ألقاه الشيخ محمد مؤكداً دعم الإمارات لعلاقات الصداقة المتميزة مع السودان في ضوء توجيهات الشيخ خليفة. وجرى خلال اللقاء مناقشة سبل تعزيز التعاون المشترك في المجالات السياسية والاقتصادية والتنموية. وكما جرت العادة في هذه الزيارات، حضر اللقاء عدد كبير من أصحاب السمو الأمراء والوزراء من الجانبين.
الأثر والتطور في العلاقات الثنائية
كان للزيارات الرسمية المتبادلة دورٌ حاسم في ترسيخ علاقات الأخوة والتعاون بين السودان والإمارات. ففي أعقاب زيارة الشيخ زايد عام 1972 بدأت الإمارات بتقديم مساعدات تنموية نوعية للسودان. فقد مولت أبوظبي مشروعات بنية تحتية وحيوية، منها تمويل إعادة تأهيل خطوط سكك حديدية بأكثر من 25 مليون دولار، وبناء مستشفى تعليمي في ود مدني بسعة 400 سرير، وغيرها من الجهود الصحية. وتتابعت مثل هذه الجهود التنموية خلال السنوات التالية في قطاعات الزراعة والتعليم والاتصالات. كما ساهمت الاجتماعات رفيعة المستوى في دفع الاتفاقات الاقتصادية الثنائية، ومنها اتفاقيات استثمار ومنح قروض صديقة.
وعلى مرّ العقود، شهدت العلاقات توسّعاً في مجالات متعددة بفضل هذه اللقاءات الرسمية. ولا تزال الإمارات والسودان يؤكدان على أهمية تنسيق وجهات النظر والعمل المشترك، وهذا يظهر في استمرار الزيارات والاتصالات السياسية. واستناداً إلى المسارات التاريخية، يتضح أن الزيارات الرسمية بين البلدين شكّلت حلقة أساسية في تحقيق استقرار العلاقات الثنائية وتطويرها، حيث جرت ترجمة التعاون السياسي إلى شراكات تنموية ملموسة تعود بالنفع على شعبي البلدين.