الشيخ سعيد محمد نور: القارئ السوداني القديم في مكة وصاحب التلاوات الخاشعة المبكية
الشيخ سعيد محمد نور هو قارئ قرآن مشهور من أصل سوداني عاش معظم حياته في مصر، وارتبط اسمه بالمشاعر المقدسة في مكة المكرمة. وُصف صوته بأنه عذب وخاشع “يثدرُّ الدموع”. وقد عرف بلقب “صاحب التلاوات الخاشعة المُبكية” لخشوع صوته وأثره العاطفي لدى المستمعين. سجل الشيخ سعيد محمد نور عدداً من التلاوات القرآنية التي بثتها إذاعتا جدة والكويت، وقيل إنه أحبه الملك عبد العزيز حتى عرضه عليه البقاء في الحجاز، لكنه اعتذر لظروف خاصة.
| الشيخ سعيد محمد نور |
النشأة والتعليم والميلاد
ولد سعيد محمد نور في السودان (لم يُذكر تاريخ محدد)، ونشأ في مصر منذ صغره. أكمل تعليمه الديني في الأزهر الشريف بالقاهرة، وهو ما يعكس إتقانه علوم القرآن والقراءات. عاش الشيخ سعيد حياةً بسيطة في حي شبرا بالقاهرة، حيث كان مقرئاً في جامع الخازندار بشبرا. وكان يستمع بشغف إلى أسطوانة تلاوة الشيخ محمود البربري رحمه الله، وتأثر بأداء كبار المشايخ. من أبرز المشايخ الذين تلقى عنهم التلاوة الشيوخ علي محمود ومحمد رفعت – بل كان يفضّل صوت محمد رفعت على جميع الأصوات. ويُذكر في المرويات أن سائقَي ترام بشارع شبرا كانا يتوقفان عند سماع صوت الشيخ سعيد حتى يسمحا للركاب بالاستماع.
مسيرته القرآنية وقراءاتُه
انطلق الشيخ سعيد محمد نور في مسيرته القرآنية قارئاً متواضعاً في مساجد القاهرة، ثم تميّز بأسلوبه الفريد الذي خالف النمط التقليدي للقراء المصريين. كان صوته جميلاً لكن أداءه العذب «يكاد لا يصلح للميكروفون» العادي، لذلك لم يأخذ حظه الكبير من بث الإذاعة في مصر. ومع ذلك أصبح له شهرة واسعة يفوق بعض قرّاء الإذاعة حتى وإن قرأ مرة واحدة فقط في الأثير. وهو حيٍّ يقولون إنه كان “يشجِي بصوته” ويرتّل القرآن “كلّه شجن”، حتى نالت تلاواته حبّاً واسعاً لدى المستمعين. لم يكن له أجر ثابت، بل يكتفي بالأجر الذي يعطيه صاحب المجالس بلا نقاش. واعتزّ بمحبة العوام لصوته حيث «تعصبَت أصوات محافظات بأكملها لصوته» بفضل تلاوته في ليالي العبادة. ترك الشيخ سعيد إرثاً من التلاوات المسجلة والتي تنتشر اليوم بين محبي التلاوة؛ منها سور قصيرة وأجزاء أُخرى بُثّت إذاعياً.
انتقل إلى مكة المرتبط بها اسمه
في منتصف القرن العشرين قصد الشيخ سعيد محمد نور أراضي الحجاز لأداء فريضة الحج. وعندما بدأت إذاعة جدة (عام 1368هـ/1948م) رحّبت بتسجيل صوته، فقام بتسجيل عدة سور من القرآن على أشرطة سلكية قديمة (منها سور مريم وطه والحديد والتكوير). انتشرت تسجيلاته عبر الإذاعة فاستحسنتها العامة، وصُنِّعت آلاف النسخ منها قدِّمت كهدايا لضيوف الرحمن من زوار وعلماء ورؤساء. اقتُدمت هذه القراءات لإذاعات إسلامية مختلفة، ونقَلها العلماء، حتى إن الملك عبد العزيز أحب صوته وعرض عليه البقاء في الحجاز، إلا أن الشيخ سعيد اعتذر لأسباب خاصة. ارتبط اسم الشيخ سعيد باسم مكة بعد ذلك بفضل هذا الانتشار الإعلامي. فقد انضمت تلاوته إلى الثقافة الصوتية للمسلمين في مكة، وغدت أجواء الأسواق والبيوت هناك “تعجّ بسماع تلاوته”. وكان من عاد الناس تعليق أجهزة الراديو خارج البيوت وأمام المحلات التجارية لاستقبال صوته العذب، فتشكلت تلاواته جزءاً من الحياة الروحية اليومية في أحياء مكة.
إقامته اللاحقة وتأثيره في المجتمعين المكي والسوداني
بعد مغادرته الحجاز عاد الشيخ سعيد إلى مصر ثم هاجر مع أواخر حياته إلى الكويت مطلع الثمانينيات الهجرية (حوالي الستينيات الميلادية)، حيث سجلت إذاعة الكويت له تلاوات يذيعها أسبوعياً في أوقات الفجر. استقر في الكويت حتى توفي فيها منتصف الثمانينيات الهجرية (نحو ستينات القرن العشرين). وبعد وفاته أرسل أبناؤه نحو مئة تسجيل إذاعياً لقرّاء إذاعة جدة ليُعاد بثها. وقد سُجل معظم هذه التلاوات في الخازندار بالقاهرة منذ أكثر من خمسين عاماً.
كان صوت الشيخ سعيد نور يُعد من أيقونات المرحلة في مكة؛ فبجانب الأثر الاجتماعي والشعبي، مكّن تسجيله ملايين المسلمين من سماع قراءات عالية الخشوع. يصفه بعض النقاد بأنه “من أفضل قرّاء عصرنا الحديث” لما تركه من إرث قرآني ثري رغم قصر مسيرته الإعلامية. وحثّت تلاواته النفوس على الخشوع والتدبر، وما زالت تذكر ويُستظل بها عبر الأجيال. أمّا في المجتمع السوداني، فتبقى ذكرى الشيخ سعيد محمد نور فخراً للقراء السودانيين؛ فرغم قلة المصادر السودانية الرسمية، يُحتفى به كقارئ بارز من أبناء السودان حقّق نجاحاً عالمياً ولا سيما في أجواء الحرم المكي وبيوت مكة.
المراجع
-
صحافة مصرية ووثائق قبلة الدنيا: ورد فيها أن الشيخ سعيد محمد نور من “سوداني الأصل عاش في مصر” وتلقى عنه علي محمود ومحمد رفعت. كما ورد فيها وصفه بأنه «صاحب التلاوات الخاشعة المبكية» وأن الملك عبد العزيز عجب بصوته.
-
مقالات إذاعية وتاريخية محلية: أشارت إلى تسجيلاته في إذاعة جدة سنة 1368هـ (1948م) وبثها على المسلمين، وأنه هاجر إلى الكويت في أواخر حياته.
-
المصري لايت: مقال صحفي (يونيو 2017) توصّف حياته ومسيرته مع الإذاعات والمراجعه.
-
موقع “قبلة الدنيا مكة المكرمة”: مقال مفصّل عن الصدى الذي أحدثته تلاواته في مكة.
-
تسجيلات صوتية ومحفوظات قرآنية: تُعرّف المستمعين بصوته وأسلوبه، وأُعيد بث العديد منها في الإذاعات وحتى بعد وفاته.