-->
استغفر الله العظيم و اتوب اليه

المرة بدقوها بأختها: المثل السوداني الذي يكشف أسرار التراث الشعبي والعلاقات الأسرية

تندرج الأمثال الشعبية ضمن ذاكرة الشعوب وحكمتها المتوارثة عبر الأجيال، ويُعبِّر هذا المثل عن مقولة سودانية متداولة بين الناس. ففي قوائم الأمثال السودانية نجد هذا التعبير مذكورًا حرفيًا: «المرة بدقوها بأختها».

تعريف المثل بالتفصيل

لا يوجد تعريف موثق حرفيًا لهذا المثل في المصادر المتاحة. المعنى الحرفي للمثل هو «المَرَّة (أي المرأة) يَدُقُّونَها بأختها»، أي أن العقوبة أو المعاملة القاسية التي تواجهها المرأة تأتي من طرف امرأةٍ أخرى (كأختها أو زميلتها)، وليس مباشرةً من رجلٍ. يُفهم من هذا القول أنّ التأديب أو التوبيخ الموجه للمرأة قد يتم عبر وسيط نسائي، وربما يُستخدم المثل مجازيًا للتعبير عن تدخل النساء في شؤون بعضهنّ أو تأثير الأخوات/الصديقات في حياة بعض. لم نعثر على تفسير محدد متفق عليه للمثل، إلا أن استخدامه في بعض السياقات يشير إلى هذا المعنى المجازي.

نبذة عنه بالتفصيل

يُعدّ هذا المثل أحد الأمثال الشعبية السودانية التي تتناقلها الألسن دون معرفة مصدر محدد. فقد ورد في موقع موسوعة عين ضمن مجموعة أمثال سودانية شعبية، كما ظهر في مدوَّنة تابعة لموقع “أخبار المدينة” كعنوان لقائمة أمثال سودانية. ولم يرد ذكر حكاية أو قصة أصلية لهذا المثل في المصادر التي اطلعنا عليها. ونظرًا لطابع الأمثال الشعبي المتوارث شفويًا، يصعب تحديد المنشأ الزمني أو المؤلف الأصلي للمثل بدقة. وبشكل عام، تنقل الأمثال الشعبية في السودان مثلها مثل غيرها عبر الأجيال لاحتوائها على «عصارة حكمة الشعوب» في مواقف الحياة المختلفة.

مناسبة استخدام المثل

يُستعمل المثل «المرة بدقوها بأختها» في سياقات مجتمعية واجتماعيات يومية معيّنة، غالبًا في حالات الشجار العائلي أو الزوجي التي تتضمّن تدخل نساء أخريات. مثلاً، يروى أن الرجل عندما يتجادل مع زوجته ويتوجه بضربها أو تأديبها، قد ينصح بعض معاونيه أو أصدقائه قائلًا له: «لو فتحت فمها مرّة تاني قُل لها بتزوّج عليكي تالتة»، أي سيزوجها عليه ثلاثة. فيردّ أحدُهم متسائلاً متهكمًا: «ما أصلوا ‘المرة بدقوها بأختها’؟!». وعليه، يُستخدم المثل للتعبير بشكل فكاهي أو نقدي عن تدخل امرأة (كالزوجة الثانية أو الأخت) في مسألة تأديب المرأة الأولى. وبالمثل، استخدمه آخرون في تعليقات على أخبار زوجية (كحادثة طلاق) للإشارة إلى أن المشكلة وحلّها أصبح بين نساء العائلة بدلاً عن الرجل.

بالتالي، يُقال هذا المثل بشكل رئيسي في الحديث عن علاقات النساء ببعضهنّ ضمن الأسرة السودانية؛ فهو يلائم المواقف التي تبرز فيها المنافسة أو التدخل النسائي في المشكلات الأسرية. ولاقت هذه المقولة ذيوعًا في اللهجة العامية السودانية خصوصًا عند الحديث عن الزواج والتعدد أو عن اختلافات بين صديقات وأخوات.

وصف المثل

يمكن وصف المثل بأنَّه تعبيرٌ مجازيٌ مختصر يشير إلى واقعة اجتماعية معقّدة. فهو يجسّد جانبًا من العلاقات الأسرية في المجتمع السوداني، حيث يُقال إن التأديب أو العقاب الذي تتعرض له المرأة «يأتي على يد امرأة مقربة إليها (كأختها أو زوجة أخرى) بدلاً عن رجل». هذه الصورة المستعارة تؤكد على فكرة «التدخّل النسائي» في شؤون المرأة. ومع ذلك، يبقى الوصف دقيقًا نسبيًّا، لأن المثل يحمل معنى غير حرفيّ ويحتاج إلى فهم ثقافي للسياق، وليس سردًا لقصة محدّدة أو وضع واقعي منفرد.

شرح المثل بالتفصيل

لم نجد شرحًا موثقًا محدّدًا في المصادر، لكن نستطيع استنباط مغزاه من السياق الاجتماعي. المثل يحثّ ضمنيًّا على أن المسائل العائلية بين النساء تُحلُّ داخليًا، وألا يفضي النزاع إلى رجلٍ آخر. بمعنى آخر، يقال لنوع من التحذير أو التوبيخ: إذا كنا نريد أن نؤدّب امرأة، فليس باللجوء إلى سلطات خارجية (مثل أخ الزوج أو وجهاء القرية)، بل تبقى المسألة بين شقيقاتها أو نساء مجتمعها.

في الكثير من الأمثال، نجد حكمة مبسّطة أو نقدًا خفيًّا في نصِّه. وفي حالة «المرة بدقوها بأختها»، قد يحمل المثل تحذيرًا شخصيًا للرجال من نقل خلافاتهم الزوجية إلى النساء الأخريات؛ أو يشير إلى أن النساء تفضّلن دائمًا التنافس والمحاذات بينهنّ. فكما يُكتب في أشباه المقولات: «الأمثال تعكس ثقافة المجتمع وتقاليده». وبذلك، يبقى الشرح مفتوحًا لتأويلات تختلف باختلاف الظروف والمواقف التي يُستشهد فيها بهذا المثل.

مميزات وعيوب المثل

كمثلٍ شعبي، يتميّز هذا القول بعدة جوانب:

  • الإيجابيات: كغيره من الأمثال الشعبية، فهو قابل للحفظ والتداول بسهولة، ويُستخدم في اللهجة اليومية. كما أن فيه لمحة من الذكاء المجازي القائم على التلاعب بالكلمات والصور (ضرب المرأة «بالأخت»). وقد يجمع المثل الأفراد حول تجربة مشتركة ويُذّكرهم بحكم متوارثة عبر الثقافة السودانية.

  • السلبيات: تُثار حوله انتقادات اجتماعية، إذ يرى بعض الباحثين والنشطاء أن أمثالًا من هذا النوع قد تكرّس أفكارًا سلبية. فحسب دراسة لحقوقيات سوريات، فإن استخدام الأمثال الشعبية في التربية يُعدّ نوعًا من العنف الثقافي لما فيه من تحقير للفتاة وتقوية فكرة التفوّق الذكوري. على سبيل المثال، تشير الدراسات إلى أن أمثالًا أخرى مثل “اكسر للفتاة ضلعًا يخرج لها عشرة” تشجّع العنف ضد المرأة. لذا فإن بعض هؤلاء ينتقدون «المرة بدقوها بأختها» باعتباره إشارة إلى حصر مشاكل المرأة ضمن عالم النساء فقط وقد يبرر – بشكل غير مباشر – تجاهل دور الرجل أو القانون في حل النزاعات. كما ينظر إليه بعضهم على أنه جزء من موروث فكري ذكوري يقلّل من شأن المرأة أو يحمّلها مسؤولية علاقتها بالآخرات من النساء.

تاريخ المثل

لا توجد معلومات مثبتة عن تاريخ نشأة المثل. كغيره من الأمثال الشعبية، نشأ هذا التعبير ضمن البيئة السودانية القديمة وانتقل شفاهة من جيل إلى آخر. يمكن القول إن الأمثال العامة (كما ورد في موسوعة عين) «تناقلتها الأجيال جيلاً بعد جيل» وأصبحت عصارة حكمتها، ولكن التاريخ الدقيق لولادة مثل «المرة بدقوها بأختها» غير موثق.

أصل المثل

لا يُعرف أصل المثل على وجه الدقة. فهو على الأرجح من لغة أمثال أهل الريف أو الحضر في السودان، ولم يُسبَّب إلى قائل معين أو فترة زمنية معروفة. الأمثال الشعبية عادةً ماتكون نتاج خبرات يومية وتجارب اجتماعية، وقد تم صياغة هذه العبارة تلميحًا لطبيعة العلاقات الأسرية. ولا تجد المصادر الإخبارية أو الأدبية الموثوقة أي تحديد لأصل هذا المثل العرَبِيّ القومي، سوى كونه “من الأمثال السودانية المتوارثة”.

قائل المثل

لا ينسب هذا المثل إلى شخصية أو مؤلف محدّد؛ فهو مثل شائع لا يُعرف من أدخله اللغة. غالبًا ما ترويه الألسن ولا يُرجع إلى قائل بعينه. لم نطالع أي مصدر تاريخي أو معاصر يشير إلى عالم لغوي أو شاعر أو شخصية تاريخية قالت هذا المثل لأول مرة.

آراء حول المثل

برز المثل في بعض الكتابات والنقاشات حين تعلق الأمر بحقوق المرأة وتحصين المجتمع. فقد تناول الكاتب صالح مهاجر، في عمود رأي له، هذا التعبير خلال مقالة استنكارية لضرب الزوجات، فذكر عبارة «ما أصلوا المرأة بدقوها بأختها!» في سياق تسليط الضوء على الأفكار الرجالية التقليدية. وكذلك استخدم متابعون على مواقع التواصل العبارة بشكل ساخر أو نقدي في تعليقات على أخبار شخصية. ومع ذلك، لا توجد دراسات أو مقالات علمية خاصة بتحليل هذا المثل بالتحديد. عمومًا، قد يراه البعض مثلًا مضحكًا أو حكمة شعبية تقال في المواقف العائلية، بينما ينتقده آخرون من منطلق نسوي باعتباره تعبيرًا يعكس أفكارًا ذكورية قديمة.

الخلاصة – كل جوانب المثل

يمكن القول إن مثل «المرة بدقوها بأختها» يظل جزءًا من التراث اللغوي السوداني وشاهدًا على الثقافة الشعبية. فهو ينقل فكرة من العلاقات العائلية تجسّدها لغة الأمثال المقتضبة؛ وقيمته تكمن في تداوله الشعبي واستحضاره لمواقف معينة. وفي نفس الوقت، يحمل دلالات يمكن أن تكون إشكالية، كما أشار البعض إلى أن أمثالًا مماثلة قد تُسوّغ العنف ضد المرأة أو تُضعف ثقتها بنفسها. بذلك، يبقى هذا المثل واجهة للتفاعل الاجتماعي، وقد يختلف الناس في تلقيه، بَيْنَ من يعتبره حكمة شعبية بسيطة ومضحكة ومن يعتبره تبسيطًا لمشاكل المرأة.