أمثال سودانية مع الشرح بالتفصيل: تراث وحكمة الأجداد
تُعدّ الأمثال السودانية الشعبية سجلاً حيّاً لحكمة المجتمع وتراثه الثقافي؛ فهي تعكس معارف الأجداد وتجاربهم عبر الأجيال. وكما يشير أحد الباحثين إلى أن «الأمثال الشعبية تلخص خبرات الشعوب في العلاقات الإنسانية… وتعمل كموجّه للسلوك في المجتمع»، فإن الأمثال السودانية نابعة من واقع الحياة اليومية في السودان وغالباً ما ترتبط بعادات المجتمع وموروثاته. تفتخر الثقافة السودانية بثروة من الأمثال التي يستخدمها الناس للتعبير عن المواقف والحكم بطريقة ذكية وموجزة، وهي جزء لا يتجزأ من التراث الشعبي السوداني. ومن أبرز هذه الأمثال ما يلي:
المثل الأول: «المال تلتو ولا كتلتو»
معناه: اقبل بما ينصرف إليك ولو كان قليلًا. ينصح هذا المثل السوداني بالحكمة والحذر المالي؛ فإذا كان لديك حق مالي لدى أحد وتأخر في سداده لك، فالأفضل أن تأخذ مما يعطيك ولو كان الثلث من المبلغ المستحق، لأن ذلك خير من انتظار المبلغ كاملاً الذي قد لا يأتي أبداً.
-
المناسبة: يُتداول هذا المثل في سياق المعاملات المالية والاجتماعية، عند التعامل مع من يماطل في الوفاء بدينه أو بمستحقات شخص. يستخدم لتحذير المدين من ضياع الحق إذا لم يعطي ولو جزءاً، ويشجع الدائن على التخفيف والرضا بما يُعطى خوفاً من فقدان كل المبلغ.
-
الأصل والخلفية الثقافية: يشير خبراء إلى أنّ هذا المثل من الأمثال السودانية المشهورة، وقد يكون لصياغته المستوحاة من حالة تعامل الناس قديماً مع قضايا الدين والمزارعة بين أفراد القبائل. ويعكس المثل ثقافة التسامح والأخذ بالحظ الأوفر في المجتمع.
-
المواقف التي يستخدم فيها: يُقال هذا المثل مثلاً حين يتأخر شخص في رده مالاً مستحقاً أو حقاً موروثاً، فيقترح عليه المدّخر تقبّل قسط منه ليتجنّب ضياع الباقي. كما يستخدم بين التجار إذا لم يُوف بوعده كاملاً، أو في مواقف المقاولة والزواج – أي حيث تكون الأصول المالية محل نظر.
-
المزايا البلاغية والاجتماعية: يتميز المثل بالاقتصاد في الكلام والحكمة العملية، فهو مجرّد جملة قصيرة لكنّها تضبط سلوك الفرد في مواقف معقدة. بلاغياً، المقارنة الطريفة في العبارة (التلث والكملت) تجعل المثل سهلاً للحفظ ويشد الانتباه. واجتماعياً، يشجّع على الصبر والتفاهم وحفظ حق الطرفين (مدينًا ودائنًا)، ويعكس روح التسامح التي يحثّ عليها الموروث الشعبي.
المثل الثاني: «الكلام الحلو بخور الباطن»
معناه: الكلام الطيّب يطيب الصدور ويشعر القلب بالسعادة. يشبّه هذا المثل السكاني والودي «الكلام الحلو» برائحة البخور التي تعبق في المسكن وتبعث الدفء، فينفي الهمّ ويشيع المودّة.
-
المعنى العام: يحثّ المثل على أهمية استخدام الكلام اللطيف والمعسول في التواصل مع الآخرين؛ إذ إن الكلمات الطيبة ترطب القلوب وتسمو بالنفوس، كما كان يقول أحدهم إن الكلام الحلو «بخور الباطن» أي يطيّب الجو الداخلي للإنسان.
-
المناسبة: يستخدم هذا المثل في المواقف التي يحتاج فيها المحاور إلى تلطيف الأجواء أو ترطيب العلاقات بإلقاء الكلمات الحسنة. مثلاً، يقال لتشجيع أحد على مدح الآخرين بلطف، أو لتذكير شخص بأن الكلام الجميل أسلوب فاعل في كسب المحبة وتخفيف التوتر.
-
الأصل والخلفية الثقافية: يعود أصل المثل إلى تشبيه شائع في المجتمعات العربية (وليس السودان فقط) بين الكلام الطيب والطيب أو البخور من حيث الأثر النفسي. فهو مألوف في الثقافة السودانية بسبب قيمها التي تقدّر الجمال النفسي وحلاوة القول، ويقارن بين الرائحة الطيبة (البخور) والأثر الطيّب للكلام.
-
المواقف والاستخدامات: يُستخدم في مجلس الطعام بين الأصدقاء لتذكيرهم بألا يبخلوا بالتشجيع والمديح، أو بين أفراد الأسرة لتوضيح أثر التشجيع اللفظي على الأطفال. وعند حدوث خلاف، قد يستشهد الناس بهذا المثل للتأكيد على وجوب تلطيف الأسلوب بدلاً من اللوم الحاد.
-
المزايا البلاغية والاجتماعية: يتميّز المثل بالتصوير المجازي حيث يُحول الصفة الحسيّة (رائحة البخور) إلى مفهوم مجازي (رائحة الكلام الطيب في القلب)، مما يعطي المثل طابعاً شعريّاً وجاذباً. اجتماعياً، يشجّع على الاحترام المتبادل والمجاملة، ويعكس ثقافة السودانيين في ترسيخ قيم الكلمة الطيبة وأثرها في تقوية روابط المحبة والإلفة.
المثل الثالث: «القلم ما بزيل بلم»
معناه: الكتاب أو التعليم وحده لا يزيل الجهل أو الغباء. يعبّر هذا المثل السوداني عن إحباط من فشل الوسائل التعليمية في تغيير شخصية بعض الناس؛ فحتى لو جمعنا كل الكتب والأقلام، فإن ذلك لا يُغيّر عقل معدوم المعرفة أو ضيق الأفق، فالعلم وحده غير كافٍ لتغيير طباع الشخص العقيمة.
-
المعنى العام: يوضّح المثل أن امتلاك العلم وسيلةً للنّصح والتوعية ليست دائماً مجدية إذا كان الشخص غير راغب بالتعلّم أو متكبّر على المعرفة. فـ «القلم» أو «المعلّم» قد يعجزان عن تغيير فكر جاهل «بلم» (جمع بَلَم بمعنى الجاهل)، كما ورد في ترجمته الإنجليزية «Literacy does not conquer stupidity».
-
المناسبة: يُقال هذا المثل للسخرية أو للتعبير عن الإحباط حين يواجه الإنسان شخصاً متعجرفاً أو قنوعاً بالجهل، يتجاهل حتى الحقائق الواضحة. مثلاً، إذا حاول شخص تثقيف آخر لكنه قابل بالرفض أو اللامبالاة، يمكن ردّ هذا المثل للتذكير بأن العلم وحده لا يكفي دون إرادةٍ للتغيير.
-
الأصل والخلفية الثقافية: يظهر المثل تراكماً اجتماعياً: في مجتمع كان فيه الفقر أو الجهل يمنع البعض من التعلّم، أصبحت هناك حكمة تقول بأن الجهل قد يكون أعمق من أن تخلّصه مؤسسات التعليم. تنسجم هذه الحكمة مع تجارب المجتمعات التقليدية التي سبق فيها الكتابة قروناً للشعوب، فانتشر من الأنثروبولوجيا الشفهية. وقد اشتهر المثل بين السودانيين للتعبير عن مدى صعوبة تجاوز الغباء المُعتاد بالمحاضرات أو الكتب فقط.
-
المواقف والاستخدامات: يردد الناس هذا المثل عند مخاطبة جهلٍ أو موقف عنيد بتعليم، مثلاً للتعبير عن استحالة إصلاح شخص لا يريد الاستماع إلى النصيحة. كما يُستخدم في السياق الأسري عندما يصرّ طفل على رأيه رغم التبيان، أو في الحوارات العامة حين يرفض البعض الوقوع في فخ المعلومات المغلوطة رغم التفسيرات.
-
المزايا البلاغية والاجتماعية: يستعمل المثل التلاعب بالألفاظ (القلم – بلم) ليجعل الكلام خفيفاً وحازماً. تشبيهه الواضح يجعل النُصح أكثر حدةً وتأثيراً في السامع. كما يعكس حسّاً نقدياً عميقاً، إذ يذكّر أن الفئة المُتعلمة قد تواجه فئة راسخة الجهل بطرق أخرى، فيحثّ على الصبر والتركيز على التعليم الفعّال.
المثل الرابع: «القلب بشوف قبل العين»
معناه: عواطف الإنسان وتوقعاته تكشف الحقيقة قبل أن تراه العين ظاهراً. يُستخدم هذا المثل للتأكيد على الأثر العميق للحدس أو الرؤية المسبقة من القلب في تفسير الأمور، إذ يرى الإنسان أحياناً ما قبل أن تبرهن عليه الحواس بالمنطق.
-
المعنى العام: يشير المثل إلى إمكانية أن يحكم الإنسان بقلبه أو إحساسه قبل أن تكتمل دلائل الأمر بصرياً. فهو يعبّر عن أن القلب “يرى” أو “يتوقع” الأمور بحدس، في حين العين تنتظر دلائل محدّدة.
-
المناسبة: يُقال هذا المثل في مواقف تتطلب الثقة بالحدس أو التجربة الداخلية عندما تكون الأدلة الخارجية غير واضحة. مثلاً، إذا شعر شخص بأن آخر غير صادق رغم تعامله الودي، يمكن تأكيد ذلك بالمثل “القلب بشوف قبل العين”. أو في نصيحة للآخرين بعدم الاكتفاء بالظاهر، إذ قد يحسّ القلب بالخطر أولاً.
-
الأصل والخلفية الثقافية: يحاكي المثل التصوّر الروحاني والوجدان لدى السودانيين، حيث يعبّر القلب والمشاعر دوراً مهماً في الفهم. وهذه الفكرة ليست فريدة للسودان فحسب، لكنها متواترة في الثقافة العربية؛ بيد أن الصيغة المختصرة «القلب قبل العين» أضفت طابعاً سودانياً. قد يكون أصلها من تجارب الناس اليومية حيث يحملون خبرة سابقة أو توقعات يترجموها في مواقفهم قبل ظهور الحقائق.
-
المواقف والاستخدامات: يستخدم عند الإشارة إلى صدق إحساسٍ ما أو خبرة تراكمية. مثلاً، حِينَ يشعر الأب بخطر قد يُجول في نفسه قبل أن يرى علامات تدلّ عليه، يُقال أن قلبه رأى الموقف قبل عيناه. كما يستشهد به الزوج للقول بأن غريزة الود والإلفة في قلبه كانتا أقوى من المؤثرات المرئية.
-
المزايا البلاغية والاجتماعية: يتضمن المثل حكمة مجازية قصيرة، تُخاطب الغريزة البشرية بالقول إن المعرفة لا تقتصر على الحواس المادية. بلاغياً، يُبرز المثل استخدام القلب (المجازي) كحاسة يرى بها الإنسان ما لا تراه العين. اجتماعياً، يعزز الثقة بالحكمة الداخلية والتجارب السابقة، ويذكّر بأهمية الانتباه إلى البديهة والعواطف في اتخاذ القرارات.
المثل الخامس: «القرمادة ولا الرقّادة»
معناه: الصبر والثبات أفضل من السقوط والتراخي عند الشدائد. يُحاكي هذا المثل حالة حمار: «القرمادة» الحمار البطيء مقارنةً بـ«الرقّادة» الحمار المغضوب عليه. فالأول يأخذ وقتَه في المشي ببطء لكنه لا يطيح تحت الحمل، أما الثاني فيسقط ويتوقف عن العمل. والمثل بذلك يفضّل “القرمادة” البطيء على “الرقّادة” الذي يستسلم تحت الضغوط.
-
المعنى العام: يشدّد المثل على أهمية التحمل والصبر والثبات على المكاره. فحتى لو كان المرء بطيئاً في الحركة أو التقدم (مثل الحمار البطيء)، فإنه أفضل من أن ينهار عند أول مشكلة (كالحمار الذي يسقط).
-
المناسبة: يُستعمل هذا المثل لتشجيع الطمأنينة والصبر خاصة في المواقف الصعبة. مثلاً، إذا واجه عامل صعوبات في عمله واشتكى من بطء الطريق أو التعثر، يقال له أن يكون “قرمادة” يتحمّل الخطوب بدلاً من “رقّادة” يترك نفسه للإحباط. ويستخدم أيضاً مع الطلاب أو المتعلمين للتأكيد على أن التقدم البطيء أفضل من الانقطاع أو الاستسلام.
-
الأصل والخلفية الثقافية: المثل يندرج ضمن وصف الواقع الزراعي البدوي في السودان، حيث كان الحمار أساساً في نقل المحاصيل وحمل الأثقال. نظرت الثقافة الشعبية إلى صفات الحمار كرمز للصبر والتحمل. والتفريق بين «قرمادة» البطيء والثابت و«رقّادة» المغفل في أداء عمله قد نشأ من الصيادين والرعاة الذين عرفوا سلوك الأنواع المختلفة من الحمير.
-
المواقف والاستخدامات: يقال هذا المثل عندما يُعاد تشجيع شخص ما للثبات في عمله أو في حلّ مشكلة طويلة الأمد. مثلاً، حين يتذمّر فلاح من بطء نضج محصوله، يعلّمونه أن يكون “قرمادة” صبوراً في عمله الزراعي. وفي الحوارات اليومية، يستخدم للتأكيد على أن المثابرة أفضل من التسرع والسقوط عند أول عثرة.
-
المزايا البلاغية والاجتماعية: يقوم المثل على تصوير بسيط وساخر (حمارين أحدهما يسقط والثاني يثبت) لتبليغ معنى عميق عن الثبات والتحمّل. صياغته الشعبية السهلة تجعلها مثالية للحفظ والنقل شفهياً. كما تشجع اجتماعيًا على قيم الصبر والعمل الجاد دون جزع، وهو من القيم المحمودة في البيئة السودانية التقليدية التي تعتمد على الزراعة والرعي، حيث الصمود مطلوب أمام الأهوال الطبيعية.
المثل السادس: «السكران في ذمة الواعي»
معناه: الشخص السكران تحت حماية ورقابة الشخص الصاحي. يذكّر هذا المثل السوداني بأنّ من يسكر أو يعتدّل يعوّل على شخص واعٍ مسؤول عنه لحمايته وضبط تصرفاته، فهو في عهدته.
-
المعنى العام: يعني المثل حرفياً أن الشخص السكران «في ذمة» (مسؤولية) الشخص الصاحي. بعبارة أخرى، تعهد رجل صائم بالاعتناء بمن كان ثملاً لمنعه من التعرّض لأي ضرر أو إغواء.
-
المناسبة: يستعمل هذا المثل عند الحديث عن حاجة السكير إلى من يقوده ويحميه من المتاعب، أو حين يعهد شخص بمتابعة سكير كي يظل آمنًا. فعند خروج الأصدقاء في رحلة حتى يشرب واحد خمر فيسهر، قد يضحك الثاني بالقول: «السكران في ذمة الواعي».
-
الأصل والخلفية الثقافية: المثل سوداني الأصل، حيث عرف المجتمع السوداني التراثي عادة الغمر أو السمر على الشرب (معروف في الثقافة باسم “الجَمَر”). في هذه المناسبات، إذا أصبح بعض الرفاق ثمالة، فكّروا في أن الواعي منهم يجب أن يتكفل به. وقد مضى هذا المثل ليعبر عن المسؤولية الأخلاقية للشخص المنصف تجاه من يسيء التصرف تحت تأثير الخمر.
-
المواقف والاستخدامات: يُقال للإشارة إلى ضرورة تحمل أحدهم مسؤولية رباع رفقائه: مثلاً، إذا أصبح صديق في حالة سكر، يتذكرون قول المثل لتأكيد أن أصدقاءه الصحاة عليهم رعايته. كما يستخدم مجازاً بطرق أخرى؛ مثلاً، إذا كان شخص مضطرب المشاعر في حالة هياج عاطفي، قد يقال «مثل السكران» ليعبر عن أن المنطق خرج من رأسه ويحتاج من يرشده.
-
المزايا البلاغية والاجتماعية: يتميز المثل بالصورية والطرافة؛ فهو يصور المرء في حالتين متناقضتين – «السكير» و«الواعي» – ويضعهما في علاقة «ذمة» تربطهما. هذه العبارة القوية تبني نظاماً أخلاقياً ضمنياً حول الرجاء بضبط النفس والعناية بالآخرين. اجتماعياً، تعزز قيم التكاتف والمراقبة الذاتية، حيث يُحمِّل المثل المجتمع مسؤولية أن لا يترك السكير دون رعاية، ويذكّر أيضا بحدود الصداقة والأمانة بين الأفراد.
المثل السابع: «الناس بالناس والكل برب العالمين»
معناه: الناس يعتمدون على بعضهم في العون والمشورة، والله فوقهم جميعاً. يعبّر هذا المثل عن التضامن والمشاركة في المجتمع السوداني؛ فالناس يتعاونون فيما بينهم، وهم جميعاً تحت حكم الله.
-
المعنى العام: يقول المثل إنّ «الناس بِالناس» أي معتمدون على بعضهم بعضاً في فعل الخير أو النصح، و«الكل برب العالمين» أي أن الله هو المهيمن والمسيطر على الجميع. فهو يدعو إلى التكاتف الإنساني مع الاعتراف بأن القدر بيد الله وحده.
-
المناسبة: يستخدم في المواقف التي يستلزم فيها من الناس مساعدة بعضهم، خاصة عند مواجهة مصيبة أو موقف صعب. فعندما يحتاج شخص إلى دعم مثلاً بعد مرض أو كارثة، يُتبادل هذا المثل لتشجيع التلاحم والتأكيد أن المجتمعات تعتمد على تضافر الجهود والدعاء للغالبية.
-
الأصل والخلفية الثقافية: المثل من أصل سوداني ويعكس الروح القبلية والإسلامية في المجتمع؛ فــ «بالناس» تشير إلى العمل الجماعي وشبكة الأمان الاجتماعي التقليدي، و«رب العالمين» ينبع من الفلسفة الدينية التي تؤمن بسيطرة الله المطلقة على المخلوقات. فهو متداول بكثرة في الثقافة العامية السودانية تحفيزًا على التضامن، وربطه بالله يدل على التوكل والطمأنينة بأن وراء كل شيء قوة إلهية.
-
المواقف والاستخدامات: يُقال عند دعوة أحد للمشاركة في مساعدة إنسان على وشك الحاجة، أو عند تحمّل مجموعة مسؤولية ما، للتأكيد على أن «الناس بالناس» أي الكل يدعم بعضه. كذلك قد يُستخدم لتذكير الناس بعدم القلق الشديد، فمع أن الناس قد تعين بعضها، فـ«الكُل برب العالمين»؛ فالنتيجة بيده سبحانه.
-
المزايا البلاغية والاجتماعية: يصوغ المثل حكمة قوية في جملتين موجزتين، تجمع بين خبرة إنسانية وعقيدة دينية. التصوير البلاغي بسيط وواضح، ويعطي انطباعًا شعريًا بأن الناس ينادون بعضهم البعض («بالناس») وأن الله يحفظهم. اجتماعياً، يعزز التعاون والمودة، ويزرع في النفوس الرجاء في المساعدة مع الاتكال على الرحمن؛ فهو يعبّر عن احترام الأعراف القبلية والأخلاقية في تقديم العون، مع تأكيد الاستعانة بالله عز وجل.
المثل الثامن: «لالوب بلدنا ولا تمر الناس»
معناه: خير ما نملك محليًّا -ولو كان أقلّ– من الأفضل عند الآخرين. المقصود بـ«لالوب» هنا ثمرة شجرة حسّرت (معروفة بمرارتها)، وهي فاكهة أقلّ قيمة من التمر، لكن المثل ينصح بالاكتفاء بما هو متوفّر لدينا، ولو كان دون اللذائذ المتاحة للآخرين.
-
المعنى العام: يحضّ المثل على القناعة والرضا بما نحن عليه. فكما أن «لالوب بلدنا» (فاكهتنا المحلية المرّة) أفضل من تمر غيرنا (في إشارة إلى ما عند الناس)، فهو يشجع على أن نحب من نوع رزقنا أو ميراثنا ولو كان أقلّ شهرة من غيره.
-
المناسبة: يستخدم عندما يشعر شخص بالنقص تجاه أحوال الآخرين أو ما لديهم من خيرات. مثلاً، إذا كان أهل الريف يأكلون ثمرة لالوب ولا يجدون تمراً كما في المدن، يذكّرون أنهم «بلدنا» هي لالوب ولا يبيعونها بتمور الناس. والمثل عمومًا عند مقارنة الإنجازات أو الممتلكات بين الناس لتوجيه المعنى بأن الأهم هو القناعة.
-
الأصل والخلفية الثقافية: جذور المثل في البيئة السودانية الصحراوية ونمط حياة الرحل، حيث كان غذاءهم يعتمد على نباتات متوفّرة، مثل ثمار الحشّر (لالوب). نظرًا لأن التمر أفضل من الحشّر في المذاق، فقد ابتكر أهل البوادي هذا المثل ليجعلوا من المحليّ ما يهوّنون به على نفسهم حاجتهم. المثل ورد في أحاديث وتوثيقات شعبية عن قيمة القناعة في بلاد الشام القديمة، لكنه محفوظ بصورته السودانية المعبّرة.
-
المواقف والاستخدامات: يستشهد بالمثل لتوضيح فضيلة القناعة. مثلاً، عندما يتذمّر أحد من ما لديه من وسائل نقل رديئة، يجيبه أهل القرية بلحن «لالوب بلدنا ولا تمر الناس»، أي أرضنا ليست كما أرض غيرنا، فعلى الشخص أن يعتز بما وفّره الله له. يُستخدم أيضًا في المواقف العائلية والاجتماعية حين يحس شخص بأن ما يملكه أضيق من ما لدى الجيران، فيقال له هذا المثل لتعزيز فكرة التوفيق بكل ما منح الله.
-
المزايا البلاغية والاجتماعية: يتضمن تصويرًا شعبيًا بديعًا يمزج بين مفاهيم الغذاء والهوية؛ فالـ«لالوب» والـ«تمر» يناسبان الشعب السوداني في الذاكرة الجمعية. صياغته موجزة وذكية، وأسلوبه الإيقاعي يجعلها محبوبة في التداول الشفهي. اجتماعيًا، تعزز هذه العبارة توطينًا للفخر بالمحليّ وتشجيع الأفراد على تقدير مكتسباتهم الخاصة بدلاً من الانجذاب لما عند الآخرين، وتُرسّخ قيمة البساطة والاقتصار على الحلال القريب.
المثل التاسع: «بين الأحباب تساقط الآداب»
معناه: مع الأصدقاء الحميمين تسقط الرسميات ويبقى الحب. يشير هذا المثل السوداني إلى أن المودة والصداقة الحقيقية تسمح بأن يكون التعامل بسيطاً وعفوياً دون المبالغة في أحكام اللياقة أو المجاملة.
-
المعنى العام: يقول المثل إنّ «الآداب» أو قواعد الاحترام المبالغ فيها يمكن أن تُغض النظر عنها “بين الأحباب”، أي بين الأشخاص الذين بينهم علاقة قوية من المحبة والألفة. فالأصدقاء المقربون يسمحون لبعضهم باللّغة الصريحة أو التصرفات العفوية التي لا يفعلونها مع الغرباء.
-
المناسبة: يستعمل هذا المثل عند السمر أو الجلسات الحميمة للتخفيف من قسوة المواقف. فعندما يحرج أحدهم صديقاً مقرباً بسؤال حميم أو يمازحه بطريقة صريحة، يردّ البعض بدهشة «لكنّنا أحباب! تَساقط الآداب» ليذكروا أن الألفة تسمح بالمزيد من الصراحة.
-
الأصل والخلفية الثقافية: يعكس المثل الطبيعة الاجتماعية القبلية في السودان، حيث تُقدَّر القرابة والصداقة إلى حدّ الثقة المطلقة. جذوره في الحوارات اليومية، وكان يقال في أوساط الأصدقاء القدامى الذين يتعاملون بجرأة، مؤكدين أن «أداب» الغربة غير مطلوبة بينهما. وهذا يتماشى مع السلوك البدوي الأصلي الذي يقدّر البساطة والعفوية في العلاقات العميقة.
-
المواقف والاستخدامات: يرافق المثل المواقف الطريفة أو الحميمية؛ مثلاً حين يسأل شخص غليظ القلب صديقه عن أمر شخصي دون رتوش، قد يعتذر قائلاً «عذراً يا صاحبي، بين الأحباب تساقط الآداب»، دلالة على تقديرهم لعلاقتهم وأنهم يسمحون ببعض التجاوز. ويستخدم أيضاً لتسوية خلاف بسيط بين صديقين أو زوجين، للإشارة إلى أن المحبة أقوى من إي سبب للخلاف.
-
المزايا البلاغية والاجتماعية: يتميّز المثل ببساطة عبارته وحسّه الفكاهي الخفيف. فهو يحثّ الناس على التحلّي بالانسجام وعدم التكلّف في أماكن المودة، ويعكس عقلية محافظة تحترم القوانين الاجتماعية الواضحة بينها وبين الغرباء لكنها تسترخي بين الأحبة. اجتماعياً، يزيد المثل من الود والراحة في العلاقات الخاصة، ويُضفي جوّاً مرحاً حين يُقال، إذ يمنح الشعور بأن الصداقات الحقيقية تسمح بالطيبة والصراحة دون رسمية زائدة.
المثل العاشر: «العارف عزو كلام الناس ما بهزو»
معناه: الإنسان الواثق في كرامته وعِزّته لا تُؤثّر فيه ثنايا الناس السلبية. ينوّه هذا المثل السوداني بأن الشخص المتمسّك بشرفه وإيمانه بنفسه لا يلتفت إلى كلام الآخرين أو سُخريتهم منه.
-
المعنى العام: يذكر المثل أن «العالِم بعزته» (الذي يعرف قدره) لا يهتزّ لكلام الناس السيّء («ما بهزّو كلام الناس»). أي إنه لن يدع الإشاعات أو النميمة تؤثر فيه مادام على يقينٍ بشرفه ونبل نفسه.
-
المناسبة: يُستشهد به عند مواجهة إشاعات أو سخرية توجه نحو شخص معروف بالنزاهة. مثلاً، إذا تم شتم مدرّس محبوب بالكذب لتعطيل امتحان، يضحك أحدهم مستشهدًا: «العارف عزو كلام الناس ما بهزو»، فيعني أن كلام الخبثاء لن يهزّ ثقة المجتمع به.
-
الأصل والخلفية الثقافية: المثل ينم عن عرف مجتمعي في السودان يقدّر الكرامة والسمعة الجيدة. هو مشتق من تجارب الناس في البلاغة العامية؛ فهم لفتوا النظر إلى أن الإنسان الواقف على قدميه يعامل كلام العامة بازدراء أو أملاء النفس. قد يكون شائعاً بين العشائر والمجالس التقليدية التي تولّي كرامة المرء وتاريخه أهمية خاصة، فكان جواب الشكّ ينصرف إلى تأكيد الثقة بالنفس.
-
المواقف والاستخدامات: يستخدم كنصيحة للأشخاص الذين يتعرضون للتجريح أو عندما يرغب المرء في طمأنة نفسه أو غيره. فمثلاً، إذا قال أحدهم عن شخص زميل له كلام سيئاً، يوازيه الآخر بالمثل ليطمئنه أنه محفوظ بعِزّته وشرفه. ويستخدم أيضًا لتشجيع الشباب على الثقة بأنفسهم وألا ينجرّوا وراء الأحقاد أو النمائم.
-
المزايا البلاغية والاجتماعية: يعتمد المثل صياغة كلمية سهلة الترديد: تكرار كلمة «هو» في «ما بهزو» يقوّي وقع العبارة. بصورة عامة، هو من الأمثال التي تعزّز الكرامة الذاتية والصمود أمام سلبية الآخرين. اجتماعياً، يشجّع الناس على الوقوف بثقة أمام الصعاب، ويؤكد أن المجتمع يسجل الأفعال الحسنة أكثر من الأقوال السيئة التي لا تلبث أن تزول.