-->
استغفر الله العظيم و اتوب اليه

المثل السوداني «تكاكي عندنا وتبيض برا» – الدليل الشامل

يُعَدُّ المثل السوداني الشهير «تكاكي عندنا وتبيض برا» من الأمثال الشعبية التي تتداولها الأجيال وتعكس حكمة واقعية مأخوذة من حياة الناس اليومية. ورد ذكر هذا المثل في قوائم الأمثال الشعبية السودانية، مما يؤكد شهرته وانتشاره في الثقافة السودانية. المفارقة في المثل تظهر في كلماته: فهو يتحدث عن دجاجة (تكاكي) تصدر أصوات التكاكي (صوت التكّاك اللافت قبل وضع البيضة)، لكنها في النهاية لا تضع بيضها في بيتها بل “تبيض برا”، أي في مكان آخر. وفيما يلي تعريف موسع وشامل لكل جانب من جوانب هذا المثل الشعبي:

تعريف المثل

المثل يقول «تكاكي عندنا وتبيض برا» ويُقصد به حرفيًا أن الدجاجة تصيح أو تصدر صوتها المميز (تكاكي) في ساحة بيتنا، لكنها تضع البيضة في ساحات الآخرين. يُستعمل هذا التعبير مجازيًّا لوصف حال المورد أو الفائدة التي تكون بالملكية أو تحت إشرافنا، ولكنها تذهب ثمارها أو أرباحها إلى غيرنا. بمعنى آخر، شيء نتوقع أن يكون لنا أو لأهل بلدنا يحصد فوائده الناس في الخارج أو في أماكن أخرى. تعبيرًا أدق، يقول الكاتب عبد الله المديفر: «عندما يرون أموالًا سعودية تتدحرج لغير السعوديين… يسترجعون المثل الحجازي (دجاجتنا تكاكي عندنا وتبيض برا)». فهنا يشير إلى أن الدجاجة تمثل مصدر خير، والتكاكي هو الإشارة على قرب البيضة، ولكن المفارقة أن البيت لا يكسب من بيض هذه الدجاجة بل يُكسبه الآخرون.
وباختصار، معنى المثل أن خيرنا وفائدتنا تذهب إلى الآخرين رغم ظهور علامات وجودها معنا. وهو تعبير بلاغي حاد وسهل التذكر؛ إذ يجمع بين صورة واضحة وكلمات بسيطة لتوصيل رسالة عن ضياع الحقوق أو عدم الاستفادة الحقيقية مما نملكه.

نبذة عن المثل

المثل «تكاكي عندنا وتبيض برا» من الأمثال المتداولة في السودان بشكل رئيسي، لكنه امتد تأثيره إلى المشرق العربي أيضًا. فقد ورد ضمن مجموعات الأمثال الشعبية السودانية بوصفه من تراث الشعب المصري السوداني (السودانيين)، ويعبر عن موقف شائع بين الناس. كما يظهر استخدام هذا المثل في وسائل الإعلام والمواقف العامة في بلدان عربية أخرى. فمثلاً، ورد في صحيفة سعودية وصف المثل بأنه «مثل حجازي» يذكره الناس عندما تطير مكاسبهم إلى الخارج. ويعود ظهور المثل في الكتابات الحديثة إلى ما قبل عام 2012 على الأقل، إذ أشار إليه الكاتب عبد الله المديفر في صحيفة يومية. وبذلك، يتضح أن المثل «تكاكي عندنا وتبيض برا» من الأمثال الشعبية التي عُرِفَت شفهيًّا في المجتمع، ثم دُوِّنَت فكرتها ضمن مقالات تراثية وأدبية لاحقًا.

مناسبة المثل

يُقال هذا المثل في مواقف محددة تعبّر عن ضجر أو احتجاج من انتقال الفوائد إلى الغير. تُستخدم العبارة عادة عندما يكون هناك شعور بأن الجهد أو المال أو الموارد التي تخصنا تذهب للآخرين. مثلاً:

  • في الحديث الاقتصادي: يقال المثل عندما يجري الحديث عن سفر رؤوس الأموال أو المستثمرين للخارج ولا يعود مكاسبه إلى البلد. كما أوضحها المديفر في السعودية، حيث عاد الناس لاستحضار هذا المثل عندما راقبوا أموالاً تخرج إلى الخارج.

  • في الشؤون الوطنية: يُستخدم للإشارة إلى هجرة العقول والكفاءات. فالشخص الذي تخرج مِن بلده وتزدهر مشاريعه في الخارج قد يضطر الناس لقول المثل بمعنى أن وطنه لم يستفد منه.

  • في الحياة اليومية: إذا تمكن شخص في المجتمع من شيء ما مثل أرض أو مشروع، ولكنه قام بإدخال شريك خارجي أو قدّم نتائجه لغير بلده، يُقال «تكاكي عندنا وتبيض برا» للتعبير عن مرارة عدم الاستفادة الحقيقية.

باختصار، مناسبة قول المثل هي كل حالة يلاحظ فيها الناس أن ثمار طيبة أو إنجازات لا تؤخذ حقها، بل تذهب غلى غير أصحابها رغم أنها في البداية كانت معنا ومع أهل البلد.

وصف المثل

يتكوّن المثل من عبارتين بسيطتين: «تكاكي عندنا» و**«تبيض برا»**. كلمة «تكاكي» هنا هي صوت يصدر من الدجاجة عندما تقترب من وضع البيضة، وهو صوتٌ يشبه نَفَخَه خفيف أو ترديد كلمة “كوكو” أو تكرارها بحماسة. والبيت الثاني «تبيض برا» يعني حرفياً أن الدجاجة تضع بيضتها خارج بيتها. إذًا الوصف الحرفي هو: دجاجة في فناء دارنا تقوم بـ«تكاكي» (تنقرع أو تتشاغب) لكنها تضع بيضها عند الجيران أو في الخارج، بحيث يستفيد الآخرون من بيضها وليس أهل بيتها.
هذه الصورة الشعرية الواضحة تجعل المثل ذا وقع قوي: الدجاجة مجردة من الضرر (فلا تخزن البيض في منزلها)، والبيض (رمز النفع) يذهب لغير أهل البيت. وهكذا يصف المثل أي وضع تكون فيه العلامة الأولى للمنفعة (الصياح) موجودة عندنا، لكن ثمرة المنفعة (البيض) تذهب للآخرين.

شرح المثل

إذا حاولنا شرح المثل بالتفصيل، فسنقول: إنه يحذر من “سرقة البركة” أو انتفاع الغير بخيراتنا. ففي الحياة، قد تعمل أو تستثمر أو تولي اهتمامًا لشيء في أرضك أو بلدك، فتظهر عليه علامات النجاح (مثل صوت دجاجة تقترب من البيض)، ولكنك تفاجأ بأن حصاد هذا النجاح تكتمل خارج نطاق سيطرتك أو خارج بلدك. يمكن اعتبار المثل بمثابة تحذير أو تعبير عن خيبة أمل: تحذير من التساهل في ترك حقنا أو خيبة أمل من رؤية غيرنا يحصد ما لنا.
مثالًا، قال الكاتب عبد الله المديفر: «عندما يرون أموالًا سعودية تتدحرج لغير السعوديين … يسترجعون المثل الحجازي (دجاجتنا تكاكي عندنا وتبيض برا)». وفي هذه الكلمات تبرز جوهر المثل: المال أو الموارد موجودة في بلادنا (تكاكي عندنا) ولكن ثمارها تذهب لغيرنا (تبيض برا). وبالمثل، في السودان أو في أي مجتمع، إذا توفرت العمالة أو الثروة أو المشروع في البلد، ولكن يتم تحويله إلى الخارج أو يستفيد منه آخرون، يستخدم الناس هذا المثل للتعبير عن الظلم أو عدم الاستقرار في التوزيع.

من جوانب الشرح كذلك أن المثل سهل الحفظ ويعتمد على التكرار الصوتي: فالتكرار في لفظ “تكاكي” يعطي انطباعًا موسيقيًا، ويحمل معنى قرب البيضة، بينما “تبيض برا” يشد الانتباه بطرافة التناقض. ولذلك يمكن القول إن المثل مركّب من تجربتين مألوفتين لدى الريف السوداني والعربي: صوت الدجاجة قبل وضع البيض وانتقال البيضة إلى مكان آخر. هذا الدمج يجعل من المثل تصويرًا سريعًا لبصيص الأمل الذي لا يؤدي إلى الاستفادة.

مميزاته وعيوبه

  • مميزات المثل:

    • بلاغة ووضوح: يستخدم المثل صورة مألوفة (الدجاجة والبيض) لتبسيط فكرة مجردة (ضياع المنفعة)، لذا يسهل على المستمع أو القارئ فهم المعنى.

    • سهولة التذكّر: الجناس الصوتي في كلمة “تكاكي” وتكرار حرف التاء يجعل المثل في متناول الذاكرة.

    • شمولية وسرعة التعبير: يمكن استخدامه في مواقف عديدة، من الاقتصاد إلى العلاقات الاجتماعية، دون الحاجة إلى شرح طويل.

    • حس فكاهي هادف: رغم الجدية، فإن المثل يصيغ الموضوع بنكهة خفيفة تجعل الموقف أقل توترًا (يقول قائلًا للدجاجة بهذا الوصف الطريف).

  • عيوب المثل:

    • السلبية والتشاؤم: يركز المثل على الجانب السيء (ضياع المنفعة)، وقد يشجع على التشاؤم أو لوم الآخرين عوضًا عن السعي لتغيير الوضع.

    • الغموض في بعض القراءات: قد لا يدرك الجميع أصل الصورة (صوت دجاجة البيض)، فَيحتاج الشرح للبسط على السامع غير المألوف بهذه البيئة.

    • عدم استهداف الحل: المثل يصور المشكلة ولا يقدم حلاً أو إشارة إلى كيفية تصحيح الوضع، فهو مجرد تعبير عن خيبة أمل.

    • حصر المعنى المحلي: تركيزه على صورة دجاجة قد يجعله أقل وضوحًا في المجتمعات غير الريفية التي لا تعيش نفس التجربة.

باختصار، يأتي المثل “تكاكي عندنا وتبيض برا” بعبارات بسيطة ومشهد قابل للتخيل سريعًا، مما يمنحه ميزة تعليمية وتوعوية. لكن اعتماده على سلبية الظرف وحصره في تجربتين (الصياح ووضع البيضة) يعوق أحيانًا انتشاره أو فهمه خارج سياقه الريفي أو يجعله يبعث على احباط بدل الأمل.

تاريخ المثل

لا يوجد تاريخ مكتوب واضح لهذا المثل، فهو ينتسب إلى الموروث الشفهي. ولكن يمكن القول إنه جرى تداول المثل في الأوساط الشعبية السودانية (والعربية) منذ زمن غير محدد، وانتقل شفهيًّا جيلًا بعد جيل. ما نعلمه من الوثائق أن المثل كان معروفًا للشعب السوداني على الأقل قبل سنوات عديدة. وقد ظهر أول ذكر ظاهر له في مواقع الصحافة في السنوات الأخيرة. فعلى سبيل المثال، ذكرت جريدة «اليوم» السعودية المثل في 2012 باعتباره مثلًا حجازيًا. كذلك نرى المثل مذكورًا في تجميعات الأمثال السودانية الحديثة. هذا يدل على أن تاريخ المثل طويل في التداول الشعبي، لكن التوثيق الكتابي له حديث نسبيًّا.

قد نستنتج أيضًا أن المثل تشكّل في البيئات الريفية الزراعية التي تعتمد على تربية الدواجن، ولذلك فهو انتقل بين أهل الريف وسكان الحضر الذين ينحدر كثير منهم من أصول ريفية. وبمرور الزمن انتقلت فكرته إلى الخطاب الإعلامي والأدبي، فتُرِجمَت شفرة المثل إلى تحذير اجتماعي مثلما فعل المديفر وغيره من الكتاب.

أصل المثل

أصلًا، المثل سوداني شائع لكن جذوره البيئية مشتركة بين مجتمعات عربية كثيرة. لا دليل محدد يربطه بشخصيات تاريخية أو زمان أو مكان بعينهما. من المعقول أنه خلقته الحكمة الشعبية بلا مؤلف معروف. في معظم المصادر، لا يُشار إلى أصل دقيق أو أول مَن قاله، مما يعني أنه موروث شفهي مجهول المنشاء. ومع ذلك، يمكن القول بأن الصورة معتمدة على كلمة عامية “تكاكي” لصوت الدجاجة، وهذه الكلمة تتناغم مع مفردات سودانية وعربية متنوعة. وربما حمل المثل دلالات محلية في بدايته (مثلاً في أولادياب العامية السودانية) ثم انتقل بتوسع عبر التواصل الثقافي، حتى استخدمه أهل السعودية واليمن وما حولها كما في الأمثلة الحديثة.

في من قيل هذا المثل

حتى الآن، لا يعرف مصادرٌ دقيقة لمن يقول هذا المثل لأول مرة. فهو مثل لا يُنسب عادة إلى شخص محدد كما يحدث مع أشهر الأمثال، بل يعكس حكمة ناس عاديين. عادة يُقال هذا المثل بلسان العرب في الحديث الشعبي كما لو أنه قول مأثور للجميع: «يجوز أن يقوله أي رجل حكيم ينظر إلى ما حوله من أمور اجتماعية»، بيد أن الكُتّاب والصحفيين استشهدوا به في نصوصهم، مثلما فعل عبد الله المديفر في السعودية. ولأن الأمثال تُصاغ شفهيًّا، فمن الصعب - إن لم يكن من المستحيل - تتبع صاحب العبارة الأصلية. لذلك نكتفي بأن نذكر أنها من أمثال السودان الشعبية التي ظهرت في التداول العام دون مؤلف معروف.

آراء حول هذا المثل

تعددت آراء الناس والنقاد في هذا المثل الشعبي:

  • يرى البعض أن المثل حكمة واقعية ونافعة لأنها تذكّرنا بعدم التهاون في استغلال مواردنا. فهم يرون في الصورة تحذيرًا لائتلاف الجهود أو الاحتياط كي لا يذهب شغلنا وجهدنا سدىً للغير.

  • على الجانب الآخر، يعتبر آخرون أن هذا المثل تعبير سلبي وإحباطي. فهم ينتقدون التركيز على الجانب المظلم فقط وعدم اقتراح حل أو تغيير. قد يقولون إن من يحمل هذا المثل في قلبه يتوقع الفشل مسبقًا، بدلًا من العمل على إبقاء المنافع في بلده.

  • هنالك أيضاً مَن يعدّ أن التشبيه بالدجاجة قد يكون محدودًا في بعض المجتمعات التي لا تعي تفاصيل سلوك الدجاج، ما يصعب على غير أهل الريف تفهمه بسهولة دون شرح.

  • وبعض الآراء ترى أن المثل ضد الانانية، لأنه ينبه إلى ضرورة مشاركة الخير المحلي مع الجميع أو استثماره بشكل يعود بالنفع على أهل البلد، وإلا «ستنقشع طيور النعيم في حديقتنا».

لم توجد دراسات أكاديمية تُناقش هذا المثل، لكن من خلال تداول الهراءِ الشعبي وبعض المقالات، يتبين تنوع القراءات. إلا أننا نرى إجماعًا على أن المثل «تكاكي عندنا وتبيض برا» ظل يحمل رسالة تحذيرية في طياته، ويحفز الناس على التفكير في كيفية الحفاظ على خيرهم المحلي (ولو بالطريقة الشعبية الساخرة).

كل جوانب هذا المثل

  • الجانب اللغوي: يستخدم المثل لغة مبسطة وعامية (كلمة «تكاكي» و«تبيض») تصل إلى عامة الناس.

  • الجانب الاجتماعي: يعكس مظاهر من الحياة اليومية (الدجاج والبيض) ليستخلص منها حكمة عامة.

  • الجانب الاقتصادي: استخدم الناس المثل لوصف فقدان المكاسب أو التساهل في حماية الثروات المحلية.

  • الجانب النفسي: قد يحمل سمات التشاؤم أو القلق من ضياع الحقوق إذا لم يُحترس لها.

  • الجانب الثقافي: ينتمي لتراث الأمثال الشعبية الذي ينقل خبرات المجتمع ويذكّر الشباب بتجارب الأقدمين.

  • الجانب البيئي: ربما يلمح إلى توازنات الريف (الدجاج) وأثر انعدام التخطيط في إدارة الموارد.

في الختام، يظل المثل السوداني «تكاكي عندنا وتبيض برا» حكمة شعبية غنية بالمعاني. فكما يلخصها المثل، قد يكون ثمن التهاون أو الغفلة مكلفًا جدا: فتظل الصرخات التحذيرية (تكاكي) دون عائد لمن أطلقها، بينما يحصد غيرنا الثمار. وبذلك يؤكد هذا المثل ضرورة الانتباه إلى حماية خيراتنا واستثماراتنا المحلية، وإلّا ستُسرق بيضتنا دون أن نشعر.