أول مدرسة بنات في السودان: خطوة رائدة في تاريخ التعليم النسوي
يشكل افتتاح أول مدرسة لتعليم البنات في السودان علامة فارقة في تاريخ التعليم والثقافة السودانية. فقد أرسى هذا الإنجاز الأساس للمسيرة التعليمية النسوية، بعد أن كان التعليم منحصراً في خلوات ومساجد بواقع ثقافي محافظ. وتشير المصادر الحديثة إلى أن مدينة رفاعة بولاية الجزيرة شهدت تأسيس أول مدرسة للبنات عام 1903 بأيدي الشيخ بابكر بدري. وفيها بدأت رحلة تعليم الفتيات في السودان على يد هذا الرجل الذي أصبح يُعرف بـ«رائد تعليم المرأة في السودان».
نشأة التعليم في السودان والبدايات النسوية
ارتبط التعليم في السودان قديمًا بخلوات تحفيظ القرآن والتعليم الديني، ولم يتوفر تعليم رسمي واسع إلا مع بداية القرن العشرين. استجاب الشيخ بابكر بدري – وهو ناشط اجتماعي ومقاتل مهدي سابق – لنداءات التغيير، فافتتح منزلاً في رفاعة بوسط السودان ليكون أول “مدرسة” للبنات عام 1907. وقد مضى على تلك البادرة ثلاث سنوات من المراسلات مع المسؤولين الإنجليز، الذين سمحوا له باستخدام بيته وماله الخاص لتعليم بناته وبنات الجيران. ويذكر النص الرسمي للجزيرة أن رفاعة «تشتهر بتاريخها في مجال التعليم» إذ تأسست فيها أول مدرسة للبنات عام 1903 على يد بابكر بدري، وقد كان تحدّي التقاليد والقوانين الاستعمارية آنذاك كبيرًا.
في مذكراته يروي بدري حكايته مع هؤلاء المعارضين قائلاً:
«عندما أخذت خطاب السير كيري بخصوص مدرسة البنات، صرت أحبذ للناس تعليم البنات تعليماً حديثاً، لتتمكن البنت من إدارة بيتها بطريقة تغري المتعلمين من بني جنسها بالزواج منها، حتى لا يتسرب المتعلمون للزواج من أجنبيات.»
وهذا الاقتباس يبيّن حرصه على إقناع المجتمع بفوائد التعليم النسوي. بدأ بابكر بدري مدرسته في بيت مستأجر بجوار منزله، بثمانية عشرة طالبة (تسع من بناته والبقية من أقاربه). كان شعاره تعليم الفتاة «كيفية تدبير شؤون منزلها، والتعامل معها كأنها ابنته». ومع نجاح مدرسته الصغيرة في رفاعة، انتقلت الفكرة لتشمل مناطق أخرى عبر زياراته كمفتش في وزارة المعارف وزيادة أعداد الطالبات.
-
أهم المحطات في بدايات التعليم النسوي:
-
1903/1907: تأسيس أول مدرسة ابتدائية للبنات برفاعة على يد الشيخ بابكر بدري.
-
1930: افتتاح “مدرسة الأحفاد” الخاصة لتعليم البنات بأم درمان تحت إشراف أحمد يوسف بدري (ابن بابكر).
-
1940: إنشاء أول مدرسة “أوسطى” (متوسطة) للبنات في السودان.
-
1957: تأسيس أول مدرسة ابتدائية خاصة للبنات في الخرطوم (الضاحية المقرن) على يد “آمنة عطية”.
-
شخصيات رائدة في التعليم النسوي
برز الشيخ بابكر بدري بشكل أساسي في هذه المرحلة؛ فقد بادر بالأمر رغم المعارضة الداخلية والإنكليزية. تلقّى الدعم من كبار رجال التعليم في عصره، وتدل النشأة التاريخية على أنه «لا يمانع إذا افتتح المدرسة في بيته من حر ماله وعلى مسؤوليته الشخصية، وقد افتتح بدري المدرسة عام 1907». وبالرغم من المعوقات، أسهمت جهوده في تغيير النظرة السائدة تجاه تعليم البنات، فلم تلبث فتيات رفاعة أن قدّن الطريق لبنات السودان الأُخرين للإقبال على التعليم.
ومن الشخصيات اللاحقة التي تؤرخ لتقدم التعليم النسوي، ذكرت المصادر أن آمنة عطية أسست عام 1957 “مدرسة الأماني” كأول مدرسة ابتدائية أهلية للبنات في الخرطوم. ويضيف كاتب الراكوبة: «تعتبر آمنة عطية صاحبة الريادة في قيام أول مدرسة ابتدائية خاصة للبنات بمنطقة المقرن في عام 1957». وقد جُهِدت آمنة عطية لتمكين الفتيات من التعليم، وفي مسيرة نضالها لم تسلم من الاعتقال لكنها واصلت كفاحها ببيع ممتلكاتها لإقامة المدرسة، وأقامت فيما بعد مراحل ثانوية داخلية للبنات.
كما لعبت معلمات مثل نفيسة عوض الكريم دورًا في إرساء التعليم الثانوي للبنات؛ فقد ذُكِر أنها كانت المعلمة السودانية الوحيدة في هيئة أول مدرسة “وسطى” للبنات افتُتحت عام 1940م، كما كانت أول من بدأ المسرح المدرسي للفتيات. مثل هذه الخطوات سهلت انتقال البنات من المستويات الابتدائية إلى المراحل الأعلى، وعزّزت إرث أول مدرسة في رفاعة حيث أصبح منتسبوها أو نداؤها أساسًا لجامعة الأحفاد للبنات لاحقًا.
أثر أول مدرسة بنات على مستقبل التعليم النسوي
لم تقتصر محصلة “أول مدرسة بنات” على تمكين قصير المدى، بل كان لها تداعيات بعيدة المدى في تغيير أوضاع المرأة السودانية. فتح تعليم البنات – حتى لو بدأ في غرفة واحدة – آفاقًا جديدة للنساء، وتحولت رفاعة بفضل هذه المدرسة إلى منارة تعليم للنساء. واليوم تحتضن منطقة “شرق الجزيرة” بولاية الجزيرة جامعات وكليات للبنات، ويُعزى الفضل فيها غالبًا إلى تبني بدري لتعليم الفتيات ولتفاني أجيال من المعلمات في المتابعة والنهوض بالتعليم النسوي.
لقد أدى إرساء حجر أساس التعليم النسوي إلى إغلاق الفجوة النوعية بصورة تدريجية؛ ففي عام 1956 كانت نسبة تعلّم الإناث في السودان تبلغ حوالي 4% مقابل 23% للذكور، أما اليوم فالمدارس المختلطة والمستقلة تسد فجوات تعليمية واسعة. كما أشارت الإحصاءات الحديثة إلى تحسن كبير في نسب التحاق الفتيات بالمدارس والأساتذة النساء في التعليم. وبالرغم من التحديات الباقية (كالتسرب والتفاوت الإقليمي)، فإن نهج التعليم النسوي الذي بدأ بفكرة أول مدرسة في 1903/1907 بقي حجرًا أساسًا يلتقي فيه الطموح الاجتماعي بأهداف التنمية.
خاتمة ودعوة للمشاركة
يظل تاريخ أول مدرسة بنات في السودان وثيقة حية على قوة الإرادة في وجه التقاليد ومقاومة القوالب النمطية. لقد راهن رائد تعليم المرأة شيخ بابكر بدري على تعليم البنات ليصبحن عناصر فاعلة في المجتمع، وبنى بذلك دعائم لمشاريع كبرى مثل جامعة الأحفاد للبنات. إن رواية هذه الخطوات التاريخية – من رفع مانع التعليم إلى بناء الفصول المختصة بالبنات – تعزز الوعي بالمساعي الرائدة التي سطرت صفحة فارقة في التاريخ السوداني.
ندعو قراءنا الأعزاء إلى التعليق والمشاركة برأيهم وخبراتهم حول تجربة أول مدرسة للبنات في السودان، وكيف أثّر التعليم النسوي في مجتمعاتنا المحلية والعائلة. استحضار قصة «أول مدرسة بنات في السودان» يفتح الباب للحوار حول واقع التعليم اليوم ومآلاته، وهو ما نسعى إليه في هذه المدونة المهتمة بالتاريخ والثقافة قضايا المرأة. نتطلع إلى مشاركاتكم وأفكاركم القيّمة لتعزيز المعرفة المشتركة حول هذا الإرث التعليمي.